كتاب سبر

مقال تركي الفيصل إعلان رسمي يجعل الأميركيين (الأعدقاء) وليس (الأصدقاء)

قدم مقال المقال المنشور في صحيفة الشرق الأوسط، بقلم الأمير تركي الفيصل رئيس الاستخبارات السعودية الأسبق، أدلة دامغة على أن القرار السعودي لم يكن يوما تابعا للأميركيين بل في مرات كثيرة كان القائد والموجه لهم. 
وهذا ما طالبنا به كمعنيين عرب منذ سنوات طويلة، ذلك أن الأميركيين لا يعرفون الصداقة بمعنى الشرف وإنما التخادم على طريقة: (شيلني وأشيلك) حيث يتحملون الخلاف وتباين الرأي معهم، إذا لا توجد علاقة استراتيجية تجمعهم مع أحد كعلاقتهم مع اليهود التي تحتمل شتى أنواع الخلافات بل والإهانات، ومثلها كل علاقاتهم المهمة مع القوى العالمية، سواء التطابقية أو التصادمية أو التنافسية، ومن ذلك وجعهم الاقتصادي من كل من اليابان وألمانيا أو الاقتصادات الناشئة أو قرب الصين من أخذ موقعهم كقلب للتجارة العالمية، أو مع أزمة سقف الدين المزمنة، ومن ذلك أيضا خلافاتهم مع تركية حزب العدالة والتنمية أوثق حلفائهم والقوة العسكرية الثانية في حلف الأطلسي والتي رفضت استضافة قواتهم التي غزت العراق عام 2003 لخلاف على السعر!.
إن مقال الأمير تركي الفيصل وهو رجل قرار سعودي ضخم هو التصوير الأدق لنضج القرار السعودي معززا بتحالفه الخليجي والإسلامي الواسع نحو بلورة علاقة حلف وصداقة حيوية مع الولايات المتحدة وعلى قاعدة أصوب وأسلم مما سلف، وبحيث تستغل فيها عناصر قوة جرى التساهل مع أهميتها سابقا وأولها (التسعير الدولاري) للنفط، والودائع والاستثمارات والتبادلات التجارية وصفقات السلاح ومناهضة الإرهاب الذي يستهدف الولايات المتحدة والغرب عموما، وأيضا بناء علاقة تصالحية مع الإسلام الصحيح والسائد الذي تمثله المملكة كقبلة للمسلمين وبلد مركز لأمة الإسلام تحظى بمكانة لا يحظى بها غيرها وليس مؤهلا لتبوئها سواها في ديار الإسلام كلها.
والغرب وإن كانت له مصلحة التخادم مع الأقلية (إيران) كجهة عميلة تملك القدرة على (التشويش) على الغالبية الساحقة فيجب أن ترسل له رسائل صريحة بأن إيران هذه ومن معها لا يمثلون الإسلام، وأن النطق أو التصدر للتحدث باسم الإسلام ليس من شأنهم، وأن السنة ليسوا طائفة وإنما هم الأمة وتاليا فإن الوقوف مع طوائف وأقليات صغيرة لا يخدم المصالح الغربية وسيضعها في كفة العدو المستفز للأمة والمحفّز لعداوتها والتصادم معها.
إن الوضع الذي يجلّيه المقال يذكّر بالمشهد الناجم عن (حرب تحرير الكويت) عام 1991 والتي قادتها وشاركت فيها الولايات المتحدة على رأس أعظم حشد عسكري دولي بعد الحرب العالمية الثانية، فإذ ذاك انتقلت العلاقة السعودية والخليجية الأميركية إلى مرحلة لم تكن بلغتها من قبل، على ليونة ونعومة الأوضاع السابقة من كون الإقليم النفطي يمثل مصلحة (استراتيجية) أميركية تتصل بـ (الأمن القومي) فجرى الانتقال إلى أنواع متطورة من التنسيق السياسي والعملاني منه استضافة قواعد عسكرية، وشراكة في تطورات يومية ذات صلة بالحالتين العراقية والإيرانية في حينه، خصوصا وأن الأميركيين كان لهم في ذلك الوقت سياسة مشرعنة قانونيا في الكونغرس (الاحتواء المزذوج) ما كان يتطلب التفاهم مع الخليج لبناء منظومة درع صاروخي لمواجهة أي هجوم عراقي أو إيراني (محتمل)، فطرح الأميركيون برنامج للتعاون لإتمام هذا الدرع، لتحضرني مفارقة تحدث بها مسؤول خليجي رفيع عن طريقة تفكير الأميركيين.
يقول هذا المسؤول بأن الدول الخليجية وتحديدا السعودية والكويت لم تكن متحمسة للشراكة وتكبد الأموال في هذا المشروع ولكنها لم تقل ذلك صراحة، وإنما قيل لوزير الدفاع الإميركي في حينه (وليان كوهين) – كان هناك حساسية من اسمه وطلب الأميركيون من الصحف استخدام اسم (كوين) وليس كوهين! – وعلى لسان الزعماء الذين التقاهم (إن شاء الله) وإن شاء الله بالمزاج الخليجي السائد تحتمل الموافقة وتحتمل أيضا التأجيل والتمهيل!
وتبين للأميركيين الذين سارعوا لتشكيل لجان العمل وإرسال الفرق الفنية أن الخليجيين لا يريدون المشروع لأنهم كانوا بدأوا علاقات ودية مع إيران، ضمن ظنّ أن التناقض الأخطر هو مع نظام صدام حسين وأن التصعيد مع الأميركيين ضد طهران ربما قادهم إلى مواجهة لا يريدون أن يصبحوا معها من يدفع ثمن صدام أميركي إيراني حول مسألة الصواريخ أو الملف النووي.. ألخ، لينفجر الأميركيون بعد أن عرفوا الموقف بالقول: نحن أصدقاء ولا يلزم أن نخجل من خلافات بيننا، ونحن قادرون على تدبير المواردة اللازمة للمشروع إن كنتم لا تريدون الشراكة فيه ولكن قولوا لنا هذا!
إن مقال الأمير تركي الفيصل يقول للأميركيين الحقيقة دون مواربة، وهو بتقديري علامة فارقة وتاريخية بارزة على نضج علاقة مطلوبة مع الأميركيين، تصل إلى مرحلة لا يهز فيها المرحوم أبو متعب (الملك عبدالله) يده بوجه أوباما رافضا وجود خطوط حمراء، بل ويضرب فيها خليفته يده على الطاولة.. وبقوة.
إن أهمية المرحلة التي نعيشها بعد عاصفة الحزم والموقف الصارم من سورية والعراق وفوقهما لبنان هو أن الملك سلمان وضع قدم بلده على عتبة التصرف كقوة عظمى صاحبة دور عربي وإسلامي، وأنها تعدت مرحلة كونها قوة إقليمية تابعة أو مُعينة أو منسجمة فقط، بل إن السعودية لم تستغل جميع ما لديها من أوراق بعد، وكثير منها ثقيل وحاسم سواء فيما يتصل بقضية فلسطين، أو التأثير على الاقتصاد العالمي عبر شراكات جديدة تصيب بالضرر أي معيق أو مهدد للمصالح العليا للمملكة وبلدان الخليج.
وحتى بافتراض وصول الأمر إلى (خيار الصفر) – لا سمح الله – فإن إشارة من اصبع هذا الملك الداهية مع كلمة (الجهاد) يمكنه أن يقلب الطاولة العالمية بالمجمل.
بقلم | يوسف علاونة |

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.