أميركا هي الدولة الأعظم في العالم (حتى الآن) وإلى زمن غير قريب وأثرها السياسي والعسكري والاقتصادي هو الأعظم بين جميع الدول.
بدأ هذا منذ الحرب العالمية الأولى التي دخلتها أميركا برؤية أن تنسحب بعدها من الشأن العالمي، وهو ما فعلته ثم من الحرب الثانية على أن لا تنسحب!
وتكرس هذا بالحرب الباردة ثم بعد سقوط الاتحاد السوفياتي والكتلة الشيوعية، وهو مستمر عبر اقتصاد لا يقدر وعملة تداولها في الخارج أكبر منه في داخلها، فالدولار يكاد أن يكون عملة سارية في كل أصقاع الدنيا، وأميركا هي البلد الوحيد المصرح له أن يطبع ما يشاء من البنكنوت، ودون حساب أو عدد، وهي الوحيدة التي لا يوجد لعملتها غطاء من الذهب (حذفه نيكسون عام 1974) ولا يوجد لديها رصيد من سلة عملات لحفظ قيمة عملتها. وهي الوحيدة القادرة على نقل 2000 طائرة إلى أي مكان في العالم خلال أيام ومعهم 500 ألف جندي خلال أسابيع، وقائدة للأحلاف وممولة للأمم المتحدة، وحاضرة في كل الأزمات وراسمة لكل السياسات ومتابعة لكل الشؤون، ومديرة لمختلف الأزمات، ويسعى الجميع إن لم يكن لإرضائها فلسكوتها والتعاون والشراكة والانسجام معها.
لكن يجب أن لا نغفل وسط هذا حقيقة هائلة تتصدر المشهد الأميركي كله وهي الهيمنة الواضحة لليهود اقتصاديا وسياسيا وثقافيا، وهؤلاء لا يهيمنون على أميركا أو يديرون اللعبة ويتحركون على المشهد بعنجهية أو غطرسة، ولكن بحكمة ودهاء فهم قوم في غاية الذكاء والمهارة.
وهيمنة اليهود ليست من أجل فلسطين فقط، بل جزء من بروزهم الاقتصادي والمالي والثقافي والعلمي أيضا، فهم أقلية تواجه عزلة سببتها عنصريتها وعقلية (غيتو) الانعزال، فأبغضهم الناس من كل الأمم فكان ردهم في نطاق ما تؤول إليه الأقليات من صناعة الجدوى والبقاء والعمل على التميز.
ونحن بحسب فهمنا لسورة الإسراء فهذا هو العلو الكبير لليهود: “وقضينا إلى بني اسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا” الإسراء 4، والعلو بمعنى السيطرة والهيمنة والإدارة، فهذه الأرض عند الله أقل من جناح بعوضة فالله لا يرى ارتفاع البنيان علوا أو مهارة فائقة بل العلو عند الله المتعالي يجيء من صفاته جل شأنه: “سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا” الإسراء 43، وهذا ما رأيناه عندما ذهب زعيم (إسرائيل) إلى منصة الكونغرس رغما عن الرئيس ونائبه ليخطب في الأميركيين لا موجها لهم كيف يدعمون بلاده ولكن كيف يديرون سياسة بلادهم هم في مسألة تخصه هو!.
واليهود لهم أثر طاغٍ على المفاصل الأساسية في الولايات المتحدة، ومن مدن ثلاث: نيويورك حيث المال والبورصة، وواشنطن حيث السياسة والكونغرس، وفي لوس أنجليس حيث (الميديا) والثقافة (العالمية) ممثلة بالسينما والتلفزيون والغناء والموسيقى وأهم (موجهات) الرأي العام الأميركي.
واليهود لا يفعلون هذا من أجل إسرائيل فقط كما أسلفت، ولا حبا بأميركا دون غيرها، فإسرائيل بالنسبة لهم مشروع حلم لاهوتي يؤمنون به، وأميركا هي قوة صاعدة كان من الطبيعي أن يتجهوا إليها بعدج غروب شمس بريطانيا وفرنسا وطردهم أو التنكيل بهم في ألمانيا فكان وجودهم الأميركي، وسيقل هذا الوجود تبعا لحركة اقتصاد العالم وهذا يعزز اعتقادنا بأن الدجال سيأتي من جهة الشرق فيتبعه 70 ألفا من يهود أصبهان عليهم الطيالس بحسب الحديث النبوي الشريف الصحيح، بمعنى أن اليهود سيتجهون بثقلهم المالي والاقتصادي شرقا جراء غروب شمس الغرب ومنه أميركا لصالح قوى جديدة لعل على رأسها الصين والهند ومن يدري فربما ماليزيا وإندونيسيا وباكستان أو صين منقسمة فهذا أفق ربما يمتد لعشرات أو مئات السنين وليس وقتا قصيرا.
أما أميركا، فالأساس أنها لا تتحرك بنظرية مؤامرة مرسومة في غرف مغلقة، وإنما بثقل معطيات على الأرض ترسمها مصالح قائمة وفعلية لا تتأثر بمن هو صاحب القرار فهذا أوباما ابن رجل مسلم (ومختون) وسبق له أن صلى صبيا لكنه بحركته لا يخرج عن المسار الذي تحدده مصالح الدولة ليأتي بعد ذاك أثر أن أي سيناريو وبأي اتجاه يمكن أن يخدم المصلحة، فضرب إيران له أثره، والتعاون معها يفيد وكذلك عزلها أو حصارها أو ألخ..
فالحجم الهائل للأثر الأميركي ينفع معه أي سيناريو أو أي قرار ليكون لحركة كل قوة وإرادة ضمن النسيج الأميركي أثره على كل المتصلين به ومن دون أن يعني ذلك أن (رأسا للمؤامرة) وزع على هؤلاء الأدوار كي يفعلوا ولا يفعلوا فتكون النتيجة هي هذه التي نراها ماثلة أمامنا.
أي مجموعة نواب في الكونغرس يمكنها أن تقترح قانونا يخدم مصالح من تمثل من الوجود الأميركي ومن ذلك الذين اقترحوا السماح بمحاكمة السعودية على مسؤولية مفترضة عن هجمات 11 سبتمبر 2001 باعتبار أن أسامة بن لادن و 18 من المهاجمين كانوا سعوديي الجنسية تمهيدا لنيل تعويضات من السعودية.
في هذه الحالة ينشأ (ديالوغ) أميركي تتفاعل معطياته بحسب ما يمكن من فائدة ومصالح، فوقوف البيت الأبيض ضده (وبحساب المصلحة) سيجلب مواقف سعودية تريدها (الإدارة) من السعودية في هذه القضية أو تلك، وسكوت الإدارة يشكل ضغطا، ومضي الكونغرس قدما يجلب شعبية يريدها (مثلا) النائب عن نيويورك وهكذا ضمن لعبة سياسية يعمل فيها كل طرف من هؤلاء على تحقيق المصلحة الأميركية التي يحددها أيضا رد الفعل السعودي، فتهديد عادل الجبير بسحب الأرصدة وتسييل الموجودات المملوكة للسعودية ينفع، وهو يقود حتما لما هو أشد من التحدي عبر تسعير النفط بعملة غير الدولار، وبالتالي فلا شيء نهائي أو محسوم ومسبق النتيجة فهو أفق متاح وبروح الصداقة والعلاقة، فالسعودية تملك ما هو أشد من هذا وهو الانسحاب من الحرب ضد الإرهاب وعندها سيكون الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة ذليلا مقيد اليدين لأن السعودية بالنهاية ليست بلدا عاديا وله بديل فهذه أرض الكعبة وقبر النبي ولا يمكن على الإطلاق قيام علاقة (سلام) مع الإسلام من دون رضاها وموافقتها، وإذا وضعت قيادتها في (زاوية) غير محتملة من الضغط فهذا سيفجر الدنيا بأسرها.
والغربيون وتحديدا الولايات المتحدة عقلاء جدا والحساب هنا لا تديره العواطف وإنما ميزان أشد دقة ومسؤولية وهي المصالح الاقتصادية لأن الخلل الناجم عن خسارة (صداقة) السعودية لا يمكن تعويضه أو تخيل نتائجه القريبة أو البعيدة ليكون عقد مقارنة بين إيران والسعودية أمرا مضحكا لأن العالم وإن استهواه العبث ومنح إيران دورا تشويشيا فهو لا شك يعلم أن السعودية هي بلد الإسلام وأن إيران هي بلد التمرد والخروج على الإسلام.
من هنا فإني لا أميل لهذا الفزع الذي يروج له البعض من هذه (الحركات) للنظام الأميركي ففي المشهد العام لا يوجد ما يزعج السعودية من سياسة واشنطن فالسعودية تقود حربا منذ أكثر من عام في اليمن وليس من اعتراض أميركي، وفي العراق لا يوجد ما يوحي بتناقض مواقف البلدين وفي سورية تتوافق أميركا مع الهدف السعودي المعلن بعدم منح الأسد أي دور مستقبلي وفي لبنان الخلاف (تقني) حول هل وقف الدعم السعودي عن لبنان مفيد ضد نفوذ إيران أم لا.
نعم هناك هواجس، وهي متبادلة لكن طالما بلغنا مرحلة القدرة على تهديدهم إن هددونا وبنفس الوقت نعقد القمة معهم بنفس الأريحية فهذا جيد.. جدا!


أضف تعليق