كان من الواضح للجميع وبحسب تعبير وكالة مرموقة كـ (رويترز) أن “زيارة الرئيس باراك أوباما خيم عليها استياء دول الخليج العربية من نهجه تجاه المنطقة.. فينما جاء أوباما للسعودية أكبر مصدر للنفط في العالم للمرة الرابعة على أمل طمأنتها وحلفاء خليجيين آخرين بالتزام واشنطن بأمنهم كان القادة الخليجيون يعبرون في مجالس خاصة عن خيبة أملهم العميقة حيال عهد أوباما الذي منح خصمهم اللدود إيران فرصة لتوسيع نفوذها”.
وبعد استقبال لم تسلط عليه الأضواء ولم ينقله التلفزيون السعودي التقى أوباما مع الملك سلمان على مدى ساعتين، ليعلن البيت الأبيض أن الزعيمين تبادلا وجهات النظر بشأن الصراعات الإقليمية والمخاوف الأمريكية بخصوص حقوق الإنسان في المملكة، وهذه ديباجة يحرص عليها الحزب الديمقراطي بانتظام، في حين أن الزعيمين وحسب نفس البيان “جددا التأكيد على الصداقة التاريخية والشراكة الاستراتيجية العميقة بين الولايات المتحدة والسعودية” وهذا يناقض كليا تصريحات صحافية نقلت عن أوباما وتسببت باستياء كبير في الخليج قال فيها: “إن دول الخليج وأوروبا مستفيدة دون عناء وتطلب عملا أمريكيا في حين لا تقوم هي بما يكفي من عمل” وكذلك ما نقل عنه من القول عما إذا كانت السعودية دولة صديقة لأميركا: “هذه مسألة معقدة”!..
لكن بيان البيت الأبيض قال أيضا بأن الرئيس والملك ناقشا “التحديات التي تشكلها أنشطة إيران الاستفزازية واتفقا على أهمية وجود نهج شامل لنزع فتيل التوترات” حيث من الواضح بحسب رويرز أن “دول الخليج تعتبر أن إيران الشيعية تشكل تهديدا لأمنها وتقول إن تدخل إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن عمق الطائفية”.
وقد أشاد أوباما بتعهد الملك سلمان بشأن المساعدات الإنسانية لليمن وتحدث أيضا عن ضرورة مساعدة مناطق في العراق تضررت من داعش، كما أن من منجزات اللقاء هو قيام دوريات مشتركة بين المجلس وأميركا لوقف تهريب السلاح الإيراني إلى اليمن، فيما لم تظهر أنباء فورية هل بحث أوباما وسلمان ما نشرته نيويورك تايمز عن تهديد السعودية ببيع أصولها الأمريكية التي تقدر بمئات المليارات.
وقد هيمن الجانب الأمني على الزيارة والمشاركة في القمة فمن أبرز مرافقي أوباما أشتون كارتر وزير الدفاع ومستشارة الأمن القومي سوزان رايس، ومدير وكالة المخابرات المركزية جون برينان، والمفيد هنا هو أن أوباما جاء ليلتحق بصحوة تجتاح الولايات المتحدة والحزب الديمقراطي تحديدا من سياسته الخاطئة ومسؤوليته عن تمدد داعش بسبب سكوته عن إرهاب إيران.
كان أول المعبرين عن هذه الصحوة السيدة هيلاري كلينتون المرشحة الرئاسية التي اتهمت أوباما ووزير الخارجية جون كيري بالمسؤولية عن تمدد داعش والفوضى في المنطقة جراء سماحه بالتجاوزات الإيرانية، ولهذا رأينا تغيرا كبيرا في السياسة الأميركية تجاه إيران، عبر تجاهل حكومتها التابعة في العراق، وتشجيع الجهاز القضائي على فرض غرامات عليها، مع فتح ملفات إرهابية سابقة للملالي، وتشدد واضح في ملف الصواريخ، والتلويح بعقوبات جديدة والتمهل بتفعيل رفع العقوبات القديمة، وهو ما يقلق القيادة الإيرانية المنقسمة حول كون الملف النووي لم يأت بالعوائد المرجوة، ودخول ذلك ضمن عملية الصراع على السلطة والنفوذ بين جناحي المرشد والعسكر، ورافسنجاني ومعه الرئيس، بينما سياسة الحزب الجمهوري ثابتة تجاه إيران باعتبارها خطرا يهدد الأمن القومي الأميركي ودولة مارقة.
لكن الجوهري في المسألة هو هذا الموقف الصلب للقيادة السعودية والحلف الخليجي المتضامن معها عبر سياسة لم تعد تثق بالأميركيين أو تكترث بتوجهاتهم، فالخليج يمتلك عناصر قوة تقدر أن تؤثر على الاقتصاد العالمي برمته إذا ما تم حشره في زاوية الرضوخ لجنون سياسة الملالي، والدول الأربع (السعودية والإمارات والكويت وقطر) على التوالي تمتلك من الصناديق السيادية والاستثمارات في الولايات المتحدة ما لا يمكن تجاهله، وهي أحد أهم الشركاء التجاريين لواشنطن ومجموع إنتاجها من النفط يكاد يبلغ نصف إنتاج منظمة أوبك، وقوتها (الدولارية) ثقيلة الحجم، ولديها من الخيارات العالمية خارج الشراكة المنفردة أو الأولى مع الأميركيين ما يغنيها عنهم، وبحسابات ستؤثر على ليس الاقتصاد فقط ولكن النفوذ الأميركي الاستراتيجي في المنطقة، فعلى الرغم من التناقض مع روسيا بسورية إلا أن الدول الأربع أنجزت خطوات عملية للتعاون معها وكذا مع الصين والهند والبرازيل والاقتصادات الناشئة فضلا عن الاتحاد الأوروبي.
الأميركيون لا يرضخون لعتاب وعلاقات تودد ومشاعر صداقة، فهذه غير موجودة في قاموس علاقات الدول، وإنما لغة المصالح ومعرفة نقاط الضعف والقوة والتحرك في إطارها، حيث رأينا عيانا أثر التهديد السعودي بتسييل الأصول وسحب الأرصدة، دون إغفال الأثر الضخم لقيام زعيم سعودي بتجاهل وصول رئيس أعظم دولة في العالم إلى بلاده ليرسل له أمير منطقة يترأس مستقبليه وهو ما كان صريحا وقاسيا أكثر من اعتذار الملك عن حضور قمة كامب ديفيد قبل نحو سنة، ففي المرة الأولى كان هناك تبرير بأن الملك لديه ارتباط مسبق لافتتاح مركز العمليات الإنساني في اليمن مع أن ولي العهد يمكنه أن يفعل.. ولكن هذه المرة كان الملك بالمطار يستقبل نظراءه الخليجيين، بل ومن هم أقل مرتبة (أولياء عهد أو الرجل الثاني) لكنه تعمد عدم استقبال أوباما ليزيد على ذلك بعدم بث وصوله عبر شبكات التلفزة، في إشارة لأوباما نفسه وهو يوشك على المغادرة ولمن سيأتي بعده بأننا نتخلى عمن يتخلى عنا.
إن الاستمرار بهذه السياسة الصريحة والصارمة والحكيمة، هو ما يأتي بالنتائج، خاصة مع حليف متقلب كالولايات المتحدة، فالخليج لم يعد منطقة رفاه ناعمة تنتظر حماةً من الخارج، بل يمتلك الآن عناصر القوة والردع والمنعة والهيمنة الاقتصادية وقيادة المنطقة وتحديد مصائر دولها وفق مصلحته.
ويقع هذا بينما يوقن العالم قاصيا ودانيا أن إيران لا تملك مشروعا لكي ينجح، وأنها ليست خيارا مؤهلا، فهي دولة منبوذة بغيضة ومفلسة بكل شيء، والعالم شاهد على عزلتها كما حدث في قمة اسطنبول، والعالم أيضا شاهد على جرائمها الشنيعة في العراق وسورية واليمن ولبنان وأن الحل الوحيد للمشكلات الأربع المترابطة، مع محصلاتها وتفرعاتها التي أنتجت (داعش) هو طرد (التدخل) الإيراني ونبذه كليا.
إن على العالم وفي مقدمته منظومة الخليج التركيز على جوهر المشكلة المتمثل بنظام يعزل الأمة الإيرانية عن جوارها وينكل بها وبنفس الوقت يعاني أوجاع غروب شمسه، بعد حقبة من العنجهية والابتزاز والغوغائية لم يعد مناسبا مسايرتها، وهذه الوقفة الصلبة للملك سلمان وقادة الخليج هي الحل الوحيد للمسألة، لنخلص إلى أن قرارات قمة الخليج وأميركا، والمفهوم الناشئ عنها يستحق المراكمة والتعزيز ليكون هو الإطار الثابت لعلاقة تكافؤ واحترام وتبادل للمنافع.


أضف تعليق