بعد حقبة من الهدوء السعودي بمواجهة المشروع الإيراني، فرضت التطورات سياسة جديدة على الرياض تبلورت ملامحها سريعا مع تولي الملك سلمان بن عبدالعزيز الدفة ليقدم على مواقف حازمة وغير مسبوقة من قبل، مع أنه كان لسلفيه الراحلين فهد وعبدالله رحمهما الله أعذارهما جراء انشغالات وظروف مختلفة، أدت إلى تطور حالة (التغول) الإيراني الذي خرج عن الحد الذي يطاق.
فالسعودية ومعها دول الخليج وبسبب الغزو العراقي للكويت، لم تساير الأميركيين في حقبة الرئيس بيل كلينتون بمناهضة إيران ظنا منها أنه بلد عاقل، ويمكن التعايش معه بعد التجربة المريرة مع نظام صدام حسين في العراق، والذي حصل على دعم خليجي لم يحصل عليه أي بلد عربي من قبل، لكنه وعلى حين غرة شكل الخطر الأول على المنطقة، واجتاح أحد بلدانها، واستعدى البقية، ثم خرب بعناده كل فرصة لإعادة تأهيله، وهو ما استغلته إيران بمنحنى استراتيجي خطير.
ولما تطورت الأمور ناحية غزو أميركي شامل للعراق، لم تفد الممانعة الخليجية بالحيلولة دون وقوعه، ولم يتخذ حاكم العراق أي خطوات لملاقاته بتفاهم يوقفه (كمبادرة الشيخ زايد التي كانت ستحفظ العراق لأهله) بينما اندفعت إيران في علاقة تخادم مع الأميركيين أسفرت مع ظروف احتلال العراق عن تقاسم وظيفي معهم، سيطرت إيران بموجبها على السكان وسيطر الأميركيون على الأرض، وضمنوا سلطة تابعة جراء هشاشتها بالمطلق، فجعلت من بلدها بؤرة توتر لصالح صراع جديد تريده واشنطن لوراثة الصراع العربي الإسرائيلي، تتشظى عنه حروب استهلاكية متنامية للسلاح، فيخف الضغط عن الدولة اليهودية، وتستنزف المنطقة إجمالا، وبما يحول دون نهوضها، خاصة وأن الغرب يعتبر العالم العربي في الحساب الاستراتيجي العميق العدو الأول والخطر الأكبر وبعناوين الإرهاب و (الإسلام فوبيا)، وأيضا العدو البديل الذي يشغل منظومة الصناعة العسكرية بعد انقراض العدو الشيوعي.
بموت الملك فهد كانت إيران استكملت السيطرة على العراق، وبمجيء الملك عبدالله تم اغتيال رفيق الحريري بقرار إيراني وفرض ما يسمى الثلث المعطل الذي شل لبنان وأطلق فيه اليد الإيرانية، ثم جرت السيطرة على قرار سورية.
ثم تداعت الأمور فوقع (الربيع العربي) الدامي أو العاصف، وبينما تفاجأت واشنطن به فإنها بدت في لحظة تريد عبره التضحية بكافة الأنظمة التقليدية لصالح قوة جديدة من (الإسلام المعتدل) -الإخوان المسلمون- الأمر الذي استفز واستنفر كافة الدول العربية للحيلولة دون صعود هؤلاء على الرافعة الاميركية، باعتبارهم القوة المتحالفة الجديدة التي تلبي المصلحة الأميركية الاستراتيجية بالتفاهم مع الإسلام، بمواجهة الأصولية، والتي سترث حكومات تعتقد واشنطن أنها لم تعد قابلة للتطور، وفاقدة لرؤية المستقبل، ليضاف إلى هذا التصور المرعب بأن (الإخوان) بدوا وكأنهم جسر تأهيل لإيران فرأينا رئيسها يزور مصر لأول مرة في التاريخ الحديث، مع جفوة مصرية خليجية، وشعور بأن دولة المركز (مصر) تملك نفوذا طاغيا يبث الانتعاش في الفروع الإخوانية في بقية الدول، حتى إذا أمكن للنظام التقليدي العربي استعادة توازنه واسترداد مصر عن هذا المسار وقعت الفوضى الدموية الشاملة، وبأدوات إيرانية وتواطؤ أميركي إسرائيلي، فصارت سورية ركاما، وتمزق العراق، وشُلّ لبنان، لتمتد اليد الإيرانية مع تولي الملك سلمان حتى البحرين واليمن، وظهر أن الأميركيين المنهمكين بالملف (النووي) لا يكترثون لو أن حكومة ذات ميل إيراني سيطرت على البحرين!.
فهذه بالنهاية مجرد جزيرة صغيرة وإن كانت في خاصرة السعودية، فما الضرر الاستراتيجي لو أنها صارت كحال العراق تطبل وتتلقى الأمر من مرشد إيران، وتمارس الإزعاج المذهبي الذي يمارسه العراق الإيراني على بقية الحلفاء في الخليج؟ في هذا الصدد تحديدا عقدت الدهشة ألسنة كثيرين بينما قيادة الأسطول الأميركي في البحرين تحزم متاعها وتستعد لمغادرة البحرين أيام (دوار اللؤلؤة) – إن لم تكن غادرت فعلا – الأمر الذي استدعي تدخلا خليجيا حازما وفوريا أدى إلى إعادة الأمور إلى نصابها، وبفهم صريح وهو أن البحرين بالنسبة لامتدادها الخليجي خط شديد الاحمرار.
والواقع أن العلاقة السعودية الأميركية علاقة هادئة عموما، واستراتيجية، ولا يوجد خلاف علني بين البلدين، لكن هذا لم يمنع تاريخيا وفي لحظات حسم، من أن تصطدم السعودية (الملك فيصل) مع واشنطن حول مسألة القدس، أو حظر النفط العربي، وأن تأمر السعودية (الملك فهد) بطرد السفير الأميركي فورا عند اعتراضه على صفقة صواريخ الردع الصينية، أو أن تطلب السعودية (الملك فهد أيضا) بإخلاء القواعد الأميركية من أراضي المملكة، أو أن تتدخل السعودية (الملك عبدالله) في البحرين رغم المضض والتمنع أو حتى الاعتراض الأميركي، تماما كما لم يحُل هذا بين ازدراء السعودية (الملك سلمان) لقمة كامب ديفيد، بل وحتى تعمد عدم استقباله للرئيس الأميركي الزائر للرياض. بمجيء الملك سلمان كانت طهران بلغت حد الجنون لخيالها بالتمدد والاستحواذ على المنطقة، وأنها شرطيها وصاحبة قرارها الأول، فهي لم تجد مقاومة جدية تذكر من أحد، لكنها وبعد اتضاح نواياها التوسعية والديمغرافية في سورية والعراق مدت يدها إلى اليمن عبر رئيس سابق يائس يريد استعادة السلطة بأي طريقة، ويعمد إلى الزج بجماعة إجرامية جاهلة للسيطرة على البلاد، بينما من بين شعاراتها تحرير الكعبة المشرفة وقبر النبي الكريم!
أما الأخطر فهو أن جماعة الإخوان المسلمين الواسعة الانتشار هناك بدت هي الأخرى مستعدة للتعايش مع هذا، فهنا ظهر أن السكين وصلت إلى العنق، ولم يكن هناك بد من التدخل السريع، وأيضا رغما عن مضض وتمنع وتباطؤ واشنطن، فصارت حربا مفتوحة، لا يمكن التراجع عنها، ومن المستحيل عدم المضي قدما فيها، في كل الساحات، سواء العراق أو سورية أو لبنان أو أي مكان تمتد إليه اليد الإيرانية. إن النظام الإيراني يحرض العالم ويخوض حربه ضد (الوجود) السعودي برمته وليس نظام آل سعود فقط، وعندما تركز طهران خطابها ضد الرياض وتستثني بقية دول الخليج العربي، فلأنها تظن أو تحسب أن هذه الدول من دون السعودية لقمات سائغة صغيرة يسهل نشر الفوضى فيها ثم ابتلاعها بعد هزيمة السعودية لا سمح الله. هكذا نشأت حرب لا هوادة فيها، وهي وإن كانت حربا بالإنابة على بعض الجبهات، لكنها مباشرة، ومن تجليات ذلك أن إيران ترسل أسلحة وخبراء إلى اليمن وتمارس اتصالا وثيقا مع الانقلابيين، وتقاتل في مدينة حلب بنخبة قواتها وحزبها اللبناني العميل وبقية ميليشياتها الأخرى من العراق وأنتاف التابعين الموالين في أفغانستان وغيرها. من هنا يمكن النظر إلى منظومة علاقات أخذت السعودية تنسجها مع دول (طوق) محيطة بإيران، مثل أذربيجان وتركمانستان وأرمينية علاوة على أفغانستان وباكستان الحليف الوثيق والاستراتيجي القديم للسعودية، مع استعادة النشاط الدبلوماسي والسياسي في العراق، والموقف الصلب من المسألة السورية، والفيتو على التعامل مع أي رئيس لبناني تفرضه إيران عبر حزبها التابع. ويدخل كل ذلك في إطار مواجهة شاملة وعلى مختلف الجبهات، وربما يتطور لاحقا إلى دعم وتشجيع (علني) لجهات معارضة إيرانية في حال إصرار طهران على مواقفها العدائية، وكان من ذلك الحلف الإسلامي، وعلاقة استراتيجية مع تركية، وكردستان العراق، وأيضا ما تم من عزل إيران في قمة اسطنبول.
في الختام لا بد من لحظ فارق مهم، فطهران الملالي تطوق السعودية بحزام من الأزمات، أما الرياض فتقدم بديلا تنمويا ونافعا لبلدان (طوق) إيران وشعوبها.


أضف تعليق