آراؤهم

من زنوبيا إلى مريم رجوي.. مثل واحد

في أشد اللحظات قسوة التي يكتب فيها التاريخ على وقع حوادث نوعية مفصلية في حياة الشعوب لتحدد مستقبلهم لعقود من الزمن وربما لقرون، نجد ان هناك طفرات تحدث نتيجة تلك الاحداث المهولة، فقد ظهرت زنوبيا زوجة اذينة في فترة من الزمن لتثبت من جديد أن المرأة قادرة ان تكون في مراتب القادة العظماء، وما يتحقق هذا إلا من خلال عدة معطيات أهمها الحالة الثقافية العامة والتي بالضرورة تعتبر المناخ الخصب لظهور رجالات وقادة يسجلهم التاريخ ممن غيروا مجراه وكرسوا حالة نوعية تبقى أصدائها وعبقها يفوح كلما فتحنا دروس التاريخ وغصنا في خضمه نبحث عن ذاك الاريج بغض النظر عن عواطفنا.

تلقيت دعوة مؤخراً من رئاسة المقاومة الايرانية (مجاهدي خلق) لحضور أمسية رمضانية تضامناً مع الثورة السورية، ولتأكيد وحدة الهدف والمصير في هذا الصراع الدائر في الشرق الأوسط وتحديداً في سوريا، إلا انني تفاجأت عندما لبينا الدعوة بأنني أمام حالة تستوجب مني انصافاً ان اكتب عنها، هذه المنظمة التي امتد نضالها منذ سبع وثلاثين عاماً دون كلل أو ملل ضد نظام الملالي بطهران، جميع من حضر كان ينظر لهذه المجموعة نظرة اعجاب ودهشة لما وصلت إليه من دقة في التنظيم وانضباط في مستويات القيادة والوعي والثقافة العالية المستوى، الجميع من كافة المستويات الثقافية تعمل بدون راتب وفقط بالكاد ان يسد رمق احدهم وفقط، والذي لفت انتباهي أن تلك المجموعة الضخمة من الرجال والباحثين والمفكرين والساسة قد قطعوا عهداً على انفسهم بالتجرد من كل ملذات الدنيا والتفرغ لقضيتهم وخدمتها على الوجه الذي يجعلك لا تصدق ما تسمع أو ترى بأم عينك، الرجال منفصلين عن زوجاتهم تماماً والجميع بقناعة وعهد الا ان تنتصر قضيتهم، أي رهبنة مطلقة بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى، بما فيها القائد المنتخب السيدة مريم رجوي.

اطلعت على مسيرة نضال تلك المرأة في عهد الشاه وعهد الملالي، فقد كانت قأئد ميداني في العراق وتقاتل على سلاح الدبابات، وفقدت الجزء الاكبر من أهلها اعداماً على يد الشاه ومن بعده نظام الملالي، مرأة لا يتجاوز وزنها الخمسين كليو غرام، تتصف بالحشمة والتقوى، وقوة البصيرة مع ان بصمات الالم والعذاب تركت على محياها ما يؤلم الناظر إليها.

استمعت بشغف لما قالته في كلمتها وكذلك في اللقاء الخاص البعيد عن الإعلام، ولا أخفي مشاعري ان طيلة تلك المدة وأنا شارد اللب ولم يخطر ببالي سوى زنوبيا، شاهدت بأم عيني هؤلاء الرهبان والراهبات لقضيتهم ما كنت أتصور أن هناك في هذا العصر اخلاص بهذا المستوى، الجميع يعمل كخلية نحل وبدون أي ضجيج وباحترام وتواضع قل نظيره في أي دولة تتمتع بامكانيات وانضباط.

رأيت بام عيني كيف الدكتور والبروفيسور يقدم الطعام بنفسه إلى الضيوف ولا يوجد أي عامل أجنبي يتقاضى أجر، أراقب عن كثب كل حركة وأغوص في أعماقها وأفتش بكل جهدي لاجد شيء فيه خلل وخارج عن النظام والاحترام فلم أجد أبداً، تكفي نظرة من السيدة مريم رجوي لان يتحقق ما تريد، أي انضباط وأي احترام الذي رأيت، أي وعي وأي ثقافة متنورة لا تميز بين الإنسان والإنسان، مع العلم ان ابنة رجوي في مخيم اشرف ( ليبرتي بالعراق ) لم ترضى ان تخرجها منه، إلا ان تخرج مع كامل المعسكر فيما لو تمت الصفقة.

الملفت للنظر ان التخصص في العمل والامكانات الهائلة مع تقشف إلى حد الرهبنة تماماً ، والأكثر من هذا ممارسة العمل الجمعي كثقافة متجزرة وسلوك ممارس، وقفت طويلاً بيني وبين نفسي اسقط هذه التجربة على واقعنا في الثورة السورية فلم استطيع الصمود لابكي اهلي ووطني على الحال الذي نحن فيه، لا يمكن بأي حال من الاحوال الا ان تنتصر هذه المقاومة، هكذا نموذج جعل العالم بعد نضال ثلاثة عشر عاماً ان يرفعوهم عن قائمة الارهاب وان يفتح لهم كل مجالات العمل في العالم، حقاً يستحقوا ذلك بجدارة، ولا أبالغ ان قلت لا شبيه لهؤلاء العظماء وخاصة السيدة الفاضلة والقدوة الحق مريم رجوي، لمثل هذا فاليعمل العاملون، ولمثل هذا فالنعمل نحن السوريين حتى ننتزع النصر من براثن الطغاة.

كم يجرح وجداني حالنا المشتت والمبعثر والمتناقض من أجل لا شيء سوى الضياع، مع ان العالم بأثرة كشعوب مع ثورتنا بل واصبح شعبنا مضرب الامثال بالرجولة والتضحية ولكن ينقصنا الكثير، علينا أن ننفض غبار الجهل والتخلف والفكر الفردي ونتآلف ونوحد جهودنا لأن الزمن ربما لا يسعفنا كثيراً، كانوا يبكون الماً على شهدائنا كلما ذكروا، ولتسمع باذنيك صوت المترجم وهو يبكي على ضحايا ثورتنا، لترى بأم عينك تلك المرأة وقد اغرورقت عيناها بالدموع على حالة أهلنا وعذاباته، وصدقوني ولا أبالغ إن قلت مريم رجوي زنوبيا هذا العصر باقتدار.

تحية لهذه المقاومة البطلة التي انتجت زنوبيا العصر مريم رجوي، تحية اجلال واكبار لهذه المقاومة التي تستحق مننا نحن السوريين الشكر الجزيل لوقوفهم إلى جانبنا وعلناً وعلى مرأى ومسمع العالم المتخاذل دون خوف أو وجل، تحية لمن يستحق النصر وأن تكون إيران المستقبل بيد هؤلاء العظماء.

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.