آراؤهم

أعينوا الكويت

نواجه خللا رهيبا بنظامنا و شكلنا السياسي. ولا مجال اليوم بكل أمانة و صدق أن نكرر نفس التجربة للمرة الـ ٣٥ (عدد الحكومات ٣٤ منذ عام ١٩٦٢ الى ٢٠١٧) ونتوقع حالمين ان تكون الحكومة القادمة خيراً من السابقة. ولا مجال اليوم ان يكون المجتمع مجرد متفرج ومتذمر، وحان الوقت ان يأخذ المجتمع مكانه الصحيح كصاحب السيادة و مصدر جميع السلطات وان يبدأ حوارا وطنيا “مجتمعي” لخلق وعي جماعي لانتشال الوطن من مستقبله المظلم.

إن المصارحة و مواجهة مكامن الخلل عناصر اساسية في طريق الحل. ودونها سيبقى المجتمع يلتف على نفسه ويكرر ذات التجارب بذات النتائج المريرة. ودون المصارحة ومواجهة مكامن الخلل سيكون تشخيصنا للوضع سطحي وعلاجنا للإفرازات وليس للمسببات.

أولاً، فإن أهم مكمن للخلل هو عدم تطوير الدستور و تعديله لمزيد من الحريات كما قصد و أراد آبائنا المؤسسون بعد مرور خمس سنوات على العمل به. وقد ذكر الآباء المؤسسون ذلك صراحة في المذكرة التفسيرية للدستور بضرورة مرور الحياة الدستورية الجديدة بفترة تمرين على الوضع الجديد تمهيداً لاعادة النظر في الدستور بعد السنوات الخمس الاولى و هذا ما لم يتم. مما نتج عنه دستور منتهي الصلاحية بعد مرور ٥٠ سنة على عدم تطويره.

ثانياً، فان المزج بين النظامين الرئاسي والبرلماني المعمول به لدينا سبب تداخلاً وتعارضاً لا مثيل له في الانظمة السياسية الحديثة. فحالة الاحتقان والجمود السياسي ترجع لهذا السبب تحديداً. فلا نحن نظام رئاسي يُنتخب به الرئيس (كالولايات المتحدة مثلا) ويأتي عبر برنامج انتخابي و يحاسب عليه من البرلمان. ولا نحن نظام برلماني ينتخب أحزابا سياسية (المانيا او بريطانيا مثلا) يأتي عبر فكر ورؤية سياسية ثم يشكل حكومة تنفذ البرامج وتحاسب عليها.

ثالثاً، لا يستقيم والمنطق ان يكون العنصر الوحيد لإختيار رئيس الوزراء جيني بحت. ولا العقل يقبل ان من بيده رئاسة الحكومة ومسؤولية إدارة مصالح الشعب قد اتى بلا فكر سياسي او برنامج اصلاحي او رؤية مستقبلية سوى انتمائه لأسرة الصباح الكريمة. فمن غير المعقول بعد ذلك ان نتأمل تقدماً حقيقاً وإزدهاراً ملموساً. ولا يستقيم والمنطق ايضاً ان يقدم الوزراء برامجهم الى مجلس الأمة “فور تشكيل الحكومة” و اغلب هؤلاء الوزراء تم اختيارهم خلال ساعات قبل اعلان تشكيل الحكومة. وعادة ما يكون سبب اختيارهم لا علاقة له اصلاً ببرنامج. والملاحظ انه و خلال الـ ٣٠ سنة الماضية فإنه اغلب اعمال السلطتين اقتصرت على معالجات للمشاكل ولم تطرح خطة وطنية طموحة وواعده تكون بمثابة مشروع وطن يلتف حوله الجميع ويسعى الجميع لتحقيقة.

رابعاً، تنفرد الكويت دون مثيلاتها من الدول الديمقراطية بنظام برلماني يشجع على نجاح الافراد بدل من دعم العمل الجماعي المنظم. فلا غرابة حين يتشكل المجلس من ٥٠ فكرا (ان صح التعبير) و ٥٠ برنامج او ٥٠ رؤية (او بلا رؤية). والأخطر فان شكل النظام البرلماني لدينا يعرّض النواب للابتزاز السياسي عبر تقديم الخدمات الحكومية للمرضي عنهم وذلك سعياً لضمان نجاح اكبر قدر ممكن من نواب الخدمات والموالين للحكومة.

خامساً، يجب على الاسرة الحاكمة الكريمة ان تعي انه حين نصارحها عن حال البلد ودورهم فيه فهو لأننا نريد الخير للكويت ولشعبها ولهم. ان مصارحتنا لهم هي من باب حبنا لهم دون نفاق واحترامنا لمكانتهم دون تملق وتقديرنا لدورهم دون رياء. لذلك فإن مصلحة الاسرة الحاكمة لا تكمن بقصائد المدح ولا بكلمات التزلف ولا بالأغاني ولا بالصور المعلقة ولا من خلال تسمية الطرق والمناطق إنما من خلال مصارحة الاسرة الحاكمة الكريمة القول ومعاونتهم على الحق والإشارة إلى مكامن الخلل. ولا يجود خطر أكبر على الاسرة الحاكمة غير انقسامها على نفسها. فلا تكاد تمر علينا أزمة سياسية او اجتماعية او رياضية الا وتناقل الناس أسماء بعض أبناء الاسرة ودورهم في تلك الأزمات وكيف ان أساس تلك الأزمات هو صراع شيخ ضد شيخ. بل وصل الحال ان يتبادل الناس الحديث كيف ان هذا الاستجواب الموجه ضد شيخ هو بالإيعاز من شيخ اخر. ويتبادل الناس الحديث أيضا عن محسوبية مجموعة من النواب لبعض الشيوخ، وكذلك الحال مع اغلب المناصب القيادية في الدولة مثل الوكلاء وغيرهم. وعموماً “لا دخان من غير نار” ولكن ما يقلقنا حقاً هو ان النار “تأكل بعضها ان لم تجد ما تأكله”. فحالة الانقسام والصراعات الداخلية بين أبناء الاسرة لم تعد خافيه للناس ويجب على أبناء الاسرة الكرام ان يبادروا بحل تلك الأمور لان وحدة وترابط أبناء الاسرة الحاكمة عنصر استقرار مهم وينعكس إيجاباً على المجتمع وأمنه وتقدمه.

وأخيراً، ان الفساد دمار للبلاد والعباد. والتاريخ يخبرنا عبر صفحاته انه ما من حضارة أو دولة أو حتى قرية دامت وهي فاسدة. وللاسف ان الفساد لدينا لم يعد محصورا باشخاص او مؤسسات بعينها بل لا ابالغ حين أقول انه اصبح صفة لصيقة لأغلب مؤسسات الدولة وشخوصها. فقد وصل الحال ان يكون المصلح النظيف عملة نادرة واستثنائية بدل ان يكون هو القاعدة الاساسية. وقد تولد شعور عام لدى الكثير ان اغلب مؤسسات الدولة وهيئاتها تدار من قِبل شخوص غير اكفاء نخر بهم الفساد وتحول عملهم الى منفعي ومصلحي خاص. وبالرغم من ذلك كله الا ان ما يقلقني حقاً هو أمرين. الاول ان هناك مشروع تدميري يسعى بشكل حثيث الى افساد المجتمع وإيقاعه بمنزلق عدم احترام القانون وتقبل كسره وإفساد اخلاقه ليكون المجتمع كله مشارك بالفساد وذلك كله حتى يكون الجميع منغمس بالفساد ليسهل بعد ذلك تبرير عمل المفسدين الكبار. اما الامر المقلق الثاني هو انه بالعادة من يدير المشهد في الدولة الفاسدة “دولة عميقة وخفية” ولكن لدينا مفسدون في الصفوف الأمامية يجاهرون علناً بفسادهم دون خجل او خوف من عقوبة بل والاسوء انهم يرتدون ثوب العفة والصلاح والاخلاص وما هم بذلك.

ان زمن المجاملات والترف السياسي قد انتهى منذ حين، واصبح امامنا اليوم استحقاقات لا يمكن تأجيلها. وبالمقابل فإن تأجيل الحلول او المماطلة بها او القبول بأنصافها ليس حلاً ابداً. ولا يمكن ايضاً بأي حال ان يكون مسببي الخلل جزء من الحل. ويجب اولاً ان يقر المجتمع بلا جزع او تردد بمكامن الخلل ثم يبدأ نقاشاً مجتمعياً شاملاً حتى يصل الى اتفاق وطني جامع ينتشل الكويت من عثراتها الدائمة وينقلها الى مستقبل اكثر تقدماً و استقراراً.

فمن غير المقبول اليوم ان نظل اسرى لشكل دستوري فاقد للصلاحية ونظام سياسي هجين يزيد مشاكلنا ولا يعالجها. ومن غير المقبول التعلل بالاوضاع الاقليمية حولنا. فالكويت ومنذ نشأتها تعيش في اقليم ملتهب بل ان الكويت الحديثة ومنذ عهد المغفور له باذن الله الشيخ عبدالله السالم الصباح وهي تعيش باضطراب اقليمي مستمر (ناهيك عن الحرب العراقية الايرانية و الغزو العراقي الغاشم للكويت وحرب تحرير العراق…الخ) وغيرها من مشكلات واحداث مستمرة. فالدولة لم تتوقف بالسابق ويجب أن لا تتوقف الان بل العكس، الوضع الاقليمي يحتم علينا التقدم والتطوير والازدهار ودفع التنمية وايضاً يحتم علينا مكافحة الفساد وملاحقة المفسدين وايضاً يحتم علينا الاصلاح الحقيقي و وضع القوي الامين رجالاً او نساء في قيادة الادارة التي تحقق الحكم الرشيد لكي يتحقق الاستقرار والطمأنينة الداخلية واللذان يشكلان اقوى سلاح في مواجهة الاخطار والتحديات الاقليمية. وفي ظل ذلك كله فمن غير المقبول ايضاً ان تنتهج السلطة قمع الآراء وسجن كلمة الحق مهما قست وشدت وغير مقبول المماطلة في رد الجناسي المسحوبة ظلماً وجوراً وغير مقبول الاستمرار بالقوانين الرجعية والقمعية التي تقيد الفرد او الجماعة او حرية التعبير والاطلاع او التجمع.

اعينوا الكويت لأنه لا معين لها بعد الله سبحانه إلا أبنائها. اعينوا الكويت لأنها ارضنا الوحيدة وبيتنا الوحيد ولا بديل عنها. اعينوا الكويت لأنها هي الباقية.

اللهم لا تجعلنا ممن قلت فيهم و قولك الحق {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}

اللهم اجعلنا ممن قلت فيهم و قولك الحق {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}

بقلم: خالد سند الفضالة
@alfadala

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق