اقتصاد

مهلاً… الاندماجات لا تخلق كيانات مفيدة دائماً!

في حالتي ألمانيا وبريطانيا، مجموعة من الدروس يمكن أن تشكل نموذجاً لتصحيح بعض الممارسات والمفاهيم غير السليمة في الكويت ومنطقة الخليج كذلك، أولها أن الكيانات العملاقة ليست هدفاً بذاته، وأن الفائدة العائدة من الكيان الجديد أو الناتج من عملية الدمج هو ما سيتحقق للمساهمين وللاقتصاد.

قدمت حادثتان نهاية الشهر الماضي في أوروبا مجموعة من الدروس المستفادة للعديد من الاقتصاديات الأقل خبرة وتجربة، ولا سيما فيما يتعلق بحماية المنافسة وأهمية الهيئات الناظمة ومبادرات كبار الملاك والإدارات التنفيذية في مراجعة خطط الاندماج والاستحواذ، وفقاً لمصالح الكيانات التي تملكها وتديرها.

الحادثة الأولى تمثلت في رفض هيئة تنظيم المنافسة والأسواق البريطانية مشروع الدمج المقترح بين شركتي سينسبري وآسدا، التابعة لـ «وول مارت»، إذ أشارت بصراحة إلى أن تلك الخطوة ستعزز ارتفاع الأسعار وتقلل جودة المنتجات وتقلص الاختيارات أمام المتسوقين في المملكة المتحدة، وأنه لا توجد وسيلة فعالة لمعالجة المخاوف المتعلقة بخيارات المتسوقين سوى حجب الدمج الذي تبلغ قيمته 18.33 مليار دولار. وكان الاندماج سيؤدي إلى تشكيل أكبر مجموعة متاجر تجزئة من حيث الحصة السوقية، متجاوزة «تيسكو» متصدرة السوق.

خوف المنافسين

وأثار الاتفاق بين «سينسبري» و«آسدا» خوف المنافسين في بريطانيا وأوروبا من ظهور كيان ضخم لا يمكن منافسته، مما دفع الهيئة الرقابية البريطانية الكبرى للتأكيد أنها بصدد مراجعة الاتفاق لحماية المستهلكين، وسط قلق من تشكيل متجر احتكاري.

وكان من شأن الاندماج أن يؤدي إلى استحواذ مجموعة وول مارت، أكبر متاجر تجزئة في العالم، على 42 في المئة من أسهم الكيان الجديد. وقبل الصفقة، كانت شركة تيسكو تستحوذ على حصة تقدر بنحو 27.6 في المئة، وخاصة بعد دخولها قطاع الأغذية في المملكة المتحدة، في حين كانت حصة «سينسبري» لا تتجاوز 15.8 في المئة، وحصة «آسدا» 15.6 في المئة، مما يعني أن اندماجهما كان سيمنحهما الاستحواذ على 31.4 في المئة من الحصة السوقية في بريطانيا.

دراسة متأنية

أما الحادثة الثانية، فتتلخص في إصدار بنكَي «دويتشه بنك» و«كوميرتس بنك» الألمانيين بياناً أفادا فيه بأن محادثاتهما الهادفة للدمج انتهت بالفشل.

ومع توضيح الأسباب بعد الدراسة «المتأنية»، تبين أن الاندماج ــــ بحسب البنكين ــــ «لن يعود بقيمة مضافة كافية عليهما، وذلك بالنظر أيضاً إلى المخاطر التي ينطوي عليها تطبيق خطط الاندماج وتكاليف إعادة الهيكلة ومتطلبات رأس المال الضرورية مع اندماج كبير مثل هذا»، مع الأخذ بعين الاعتبار أن إدارة بنك كوميرتس اضطرت للاعتراف في تقرير موازنتها الأخير بأن المصرف المؤمم جزئياً لم ينجح حتى عشر سنوات من الأزمة المالية العالمية في خفض النفقات بالشكل المطلوب منه، فكان الرفض هو القرار، رغم أن أصول الكيان الجديد ستتجاوز تريليوني دولار كأكبر مصرف ألماني، لكن الغلبة كانت لمعايير مهنية كان لها الأولوية مقارنة بالحجم أو الضخامة مثلاً.

في الحالتين، بألمانيا وبريطانيا، مجموعة من الدروس يمكن أن تشكل نموذجاً لتصحيح بعض الممارسات والمفاهيم غير السليمة في الكويت ومنطقة الخليج كذلك، أولها أن الكيانات العملاقة ليست هدفاً بذاته، وأن الفائدة العائدة من الكيان الجديد أو الناتج من عملية الدمج هو ما سيتحقق للمساهمين وللاقتصاد أيضاً، فقرار عدم المضي في اندماج البنكين بألمانيا ألغى قيام أكبر بنك فيها، لمصلحة المزيد من الحوكمة على البيانات المالية وسلامتها ولتحقيق العدالة بين المساهمين، والأهم عدم غلبة مساهمي بنك على آخر.

أما في بريطانيا فكانت التضحية بحجم وضخامة الكيان الجديد- وما يترتب عليه من إيرادات ضريبية للخزانة العامة- لمصلحة المستهلك بالدرجة الأولى، بحيث لا يكون الكيان الجديد المندمج بيئة أسهل لرفع الأسعار أو تقليل جودة المنتجات أو إقصاء المنافسين من الأسواق، لأن الأصل عندها هو إتاحة الفرصة للمستهلكين وخياراتهم مع توفير «الدولة» لبيئة الاستثمار المفتوحة لجميع المتنافسين.

بالطبع يبرز هنا دور هيئة الرقابة المستقلة في مراقبة ومتابعة قواعد الاقتصاد والمنافسة على الشركات وخياراتها في التوسع والاندماج ودور الهيئات وصلاحياتها في ضبط الممارسات الضارة على الاقتصاد والمستهلكين والمساهمين في السوق، بل حتى الآثار السلبية على الأنشطة ذات العلاقة بالنشاط الأصلي كالنقل أو التخزين مثلاً، أو على عمليات غير مباشرة كالأبحاث والتدريب.

اندماجات الخليج

ومن المعروف أن منطقة الخليج من المناطق المحدودة الخبرة والممارسة في مهنية ملفات الاندماج في القطاعات المختلفة، وقد شهد العام الحالي فعلياً عملية اندماج كبرى في القطاع المصرفي الإماراتي تمثلت في دمج 3 بنوك إماراتية هي، «أبوظبي التجاري» والاتحاد الوطني ومصرف الهلال بأصول تبلغ 114 مليار دولار، تحت اسم الأول، في وقت وقعت شركة أرامكو السعودية اتفاقاً لاستحواذها على حصة 70 في المئة في شركة سابك مقابل 69.1 مليار دولار، وتنتظر المنطقة العديد من صفقات الاندماج المستقبلية هذا العام.

وفي الحقيقة، فإن عمليات ومشاريع الدمج في منطقة الخليج تعاني قصوراً في الحوكمة وحماية المنافسة، واعتبار أن الهدف هو مصلحة المستهلك عندما نقارنها بما حدث في بنكي ألمانيا وشركتي التجزئة في بريطانيا، وأن الاهتمام بضخامة الصفقة مثلاً غالباً ما يطغى على قيم أهم ذات علاقة بمصالح المساهمين والمستهلكين.

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق