فن وثقافة

لا تكبر إنه فخ..! قراءة في “شارع الدبوس” لأحمد الدوسري

هذه حكاية طفل وجده، وشارع ربط بينهما لسنوات”

هكذا تبدأ الرواية، تتوزع البطولة فيها بالعدل ما بين الناس والمكان.

على لسان الراوي الذي يبدأ الحكاية طفلا، يكتشف نفسه والعالم، وصولا إلى الشاب الذي لايزال تملؤه الحيرة، أسئلة بلا إجابات، وعشق متأجج، بلا معشوق.

تبدأ الحكاية بحريق يلتهم الغرفة، وينجو منه الأم والأطفال، بينما الأب غائباَ.. غياب سوف يطول ويمتد على مدى الرواية، تكسره لقطات من حضور ثقيل ولكنه مؤثر.

وتنتهي بهطول الثلج الذي يضيء المدينة بالبياض ” سرى داخلي شعور وأنا أرى فرحة الناس العارمة بالثلج بأنهم تحولوا جميعا بفعل اللون إلى طيبين، قوة هذا الأبيض الممتد كالدهشة عندما تطيح بالغضب”

لكن الثلج يذوب، ساحبا معه هذا الشعور اللحظي بالصفاء الاستثنائي الذي لم يتكرر، تاركا وراءه الجن يمرحون في الطرقات.

بعد الحريق الأول، تتجه الأسرة لبيت الجد، لينعم الطفل بمشاعر الدفء والأمان، بصحبة جده الذي يميزه بالقرب منه.

الجد الضارب في القدم مثل تاريخ يتحرك، كثير الصمت لا يبوح بحكاياته المثيرة سوى لحفيده المقرب..

تستطيع أن تقسم الرواية إلى ما قبل موت الجد وما بعده.. تنفرط الحياة وتنقسم روح الولد بغياب أبدي لن يعوضه أي حضور.

” إن أسباب الوفاة كثيرة من بينها وجع الحياة”

هكذا قال محمود درويش، وهو ما ينطبق تماما على وفاة الجد، هو لم يمت بالشيخوخة رغم كونه طاعنا في السن، لكنه في لحظة فارقة أيقن تماما بانتهاء العالم الذي يعرفه وزواله إلى غير عودة.. فقرر اللحاق به.

في مشهد درامي مكتوب بعناية فائقة، يجلس الجد مع حفيده على أرجوحة في الحوش منتظرا عودة ابنه – عم الطفل – بعد أن رفضت زوجة العم استقبالهما في غيابه..

يحل الظلام ويهطل المطر غزيرا ويشتد البرد، والجد جالس مكانه كالتمثال يشهد تداعي كل ما يعرفه من قيم وأصول، حتى جلسته جاءت على أرجوحة لا على مقعد أو دكة، دلالة هامة على اهتزاز عالمه الخاص.

“احمرت عيني جدي وأنا أنظر إليهما من منخفضي المكاني بقربه، صارتا جمرتين ورأيتهما تضيئان بالبرق…….. أحسست بأنه اضطر لانتظار قدوم عمي الذي لم يجئ كأن غيابه في تلك الليلة كان قدريا. أنني نقطة ضعفه الذي استبقته، خائفا على من التجمد في الخارج. أخذت الأرجوحة تهتز بنا كأنها أحد الأزمنة العتيقة مهدهدة حرجنا الكبير في هذا الموقف ”

بموت الجد تبدأ مرحلة جديدة في حياة الولد، بلا سند سوى روحه القلقة وأحلامه الغامضة.

يصير فتى يحمل بداخله العديد من التناقضات التي تثير دهشة معلميه.. التفوق، الإبداع، الذكاء جنبا إلى جنب مع التمرد والشغب.

ربما تكون شخصية الجد هي الثبات الوحيد داخل الرواية، لأنها الوحيدة التي لم تتطور بتطور الأحداث.. فقد كانت كاملة من البداية وعندما شعرت بانتقاص كمالها رحلت.

باقي الشخصيات تطورت بمرور الزمن، الأم التي بدأت كطفلة ساذجة تندب حظها مع زوج يركبه الجن وترسل طفلها للروضة يوم الإجازة وهي لا تدري شيئا عن عطلة نهاية الأسبوع، لتصبح في النهاية المرأة المتورطة في الحفاظ على بيت يملأه الفقر والتعاسة:

” لا أدري كيف خطرت لها هذه الفكرة: أن تقوم بحرق التعاسة. وضعتها في المقلاة وحرقتها وسط دهشتنا. كانت التعاسة عبارة عن خرقة مررتها على جدران البيت وهي تمسحها ثم حرقتها ”

الأب الثائر دائما على سوء حظه.. يقيم الفقر في بيته.. تتكشف في شخصيته جوانب أخرى ” أبي أسطورة الجهات ” يعرف كيف يمشي في البحر والبر بلا دليل..

مع الشخصيات الأساسية، هناك العديد من الشخصيات العابرة، ورغم عبورها السريع لا تستطيع تسميتها ثانوية أو هامشية، ذلك لامتداد أثرها على طول الرواية.

والحياة لا تسير بلطف مع هذه الشخصيات والتي معظمها من الأطفال بحكم أنها تروى على لسان طفل، فهم يموتون ببساطة إما محترقين أو بلدغة عقرب أو حادث سيارة أو بالحمى …. لذا فمن يبقى منهم يكون قد استوفى شروط البقاء على قيد الحياة لتظهر بعض الشخصيات بشكل غرائبي أسوة بالمآسي الإغريقية، كما في شخصية عبد المجيد

“لم يحتمل عبد المجيد الآلام. ذهب صبيحة أحد الأيام إلى طبيب عيون ووقع على اقتلاع عينه اليمنى على مسئوليته الخاصة

– خلاص ارتحت منها ابنة الكلب!

-ارتحت ممن؟

– من عيني!

أزاح الشاش فإذا هو بلا عين!

فزعت. بقيت جامدا في مكاني مذعورا من الفقر ومن جواز السفر، لكنه واساني:

لا تخف، وعدني الطبيب بأنني أستطيع أن أضع عينا من البلاستيك بعد أيام ريثما تشفى عيني من العملية..

هل كان الطبيب مجنونا أم المجنون عبد المجيد أم الزمن؟”

هؤلاء الصغار سوف يكبرون وسط مجتمع يتغير بسرعة، فيلاحقونه في التغير متعاملين مع المعطيات الجديدة، لتجدهم في النهاية يشاركون في المظاهرات، يواكبون الموضة، يتابعون الأحداث السياسية والفنية، وأيضا يفرضون قوانينهم الخاصة على المدرسة، وبعد أن كان مجرد ظهور سيارة في شوارع المدينة حدثا غريبا، تتعدد السيارات لدى الأهل تلك السيارات التي يقومون بسرقتها في الليل لتكتمل المغامرة.

يشغل البحر مساحة كبيرة من أحداث الرواية ومن روح الراوي كذلك.. يتطور شعوره به من فكرة البراح المفتوح، للشجن والحنين لأيام الجد، ثم الشعور بالرهبة بعد حوادث الغرق والتيه فيه. ربما كان هذا مماثلا تماما لتطور شعور المرء بالحياة بشكل عام حين تكتشف فجأة أن الوطن ما هو إلا ضربة حظ.

الرواية محكمة حتى آخر صفحة.

بناء دقيق لا تستطيع حذف طوبة واحدة منه دون أن يختل، رغم أن بعض المقاطع تصلح كقصص قصيرة مستقلة لكنها لو حذفت سوف تؤثر على البناء النفسي للشخصية…. هناك روايات تستطيع أن تحذف منها فصولا كامله أو حتى تعيد ترتيبها دون أن تتأثر مما يعد نقطة ضعف كارثية فيها..

الرواية ورغم حجمها الضخم، تخلو من هذا العيب مكتوبة بإخلاص للحكي، دون أن تكون عينها على الترجمة أو الجوائز أو التحويل لسيناريو رغم أنها تستحقها جميعا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رحاب ابراهيم / كاتبة مصرية

الرواية نت

 

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق