قراءة في حكم “الدستورية” ببطلان مجلس ديسمبر 2012: المحكمة فعّلت رقابتها على مراسيم الضرورة ورفضت مبررات الحكومة بأنها حالة سياسية
حسين العبدالله – الجريدة
حسمت المحكمة الدستورية في 16 الجاري أمر الطعون الانتخابية الـ56 التي أقيمت على مراسيم الضرورة بشأن الصوت الواحد واللجنة الوطنية العليا للانتخابات ومرسوم حل مجلس 2009، وخلصت في حكمها إلى سلامة مرسوم الصوت الواحد من الوجهة الدستورية.
وقررت المحكمة عدم سلامة مرسوم اللجنة الوطنية العليا للانتخابات وحكمت بعدم دستوريته وبطلان الانتخابات التي أجريت وفقه وبطلان من أعلن فوزهم، في حين انتهت الى سلامة مرسوم حل مجلس 2009 وعدم مخالفته نص المادة 107 من الدستور.
ولحكم المحكمة الدستورية جملة من الملاحظات العامة يجب إيرادها بشيء من التحليل القانوني العلمي استنادا لما ذهبت إليه المحكمة وذلك على النحو التالي:
أولا: يعد حكم المحكمة الدستورية الصادر هو الاول بعد 40 عاما من إنشاء المحكمة الدستورية بالتصدي لمراسيم الضرورة سواء بتقريرها بدستورية المرسوم بقانون الخاص بتعديل قانون الدوائر الانتخابية بجعل عدد الاصوات صوتا واحدا أو بالحكم بعدم دستورية المرسوم بقانون الخاص بإنشاء اللجنة الوطنية العليا للانتخابات وانطلقت المحكمة من هذا الاختصاص بالرقابة على هذا النوع من المراسيم إلى ثلاثة أمور الأول أن قانون إنشائها يعطيها الرقابة على القوانين والمراسيم المخالفة للدستور ومن بينها المراسيم بقوانين وهي مراسيم الضرورة، وثانيا أن المحكمة رأت أن السلطة التنفيذية طالما أنها مارست عملا تشريعيا فهذا العمل بذاته خاضع لرقابة القضاء لأن الرقابة تمتد إلى ما مارسته من عمل تشريعي ولا يمكن التذرع إن مارست هذا الاختصاص بأنه من الأعمال السياسية وثالثا تملك الرقابة على كل التشريعات مهما كانت و أي ما كان موضوعها أو نطاق تطبيقها.
الأول من نوعه
ثانيا: أن حكم المحكمة الدستورية بعدم دستورية اللجنة الوطنية العليا للانتخابات يعد الحكم الأول بتاريخ المحكمة الذي يستند إلى مخالفة تشريع للقواعد الإجرائية التي وضعها المشرع الدستوري، في حين أن كل الأحكام التي أصدرتها المحكمة الدستورية منذ إنشائها كانت أحكامها بعدم دستورية القوانين لمخالفتها قواعد موضوعية واردة بنصوص الدستور إما لمخالفتها قواعد العدالة والمساواة واما لمخالفتها لقواعد التقاضي أو لمبادئ تتصل بحقوق الأفراد وحرياتهم لكن الحكم بعدم دستورية اللجنة الوطنية العليا للانتخابات هو الأول بمخالفة تشريع للشروط التي استلزمتها المادة 71 من الدستور في شأن مباشرتها من قبل السلطة التنفيذية.
ثالثا: ان المحكمة الدستورية فرقت بين الرقابة القضائية والرقابة السياسية على مراسيم الضرورة فرأت أنها تملك الأولى على تلك المراسيم منذ نشأتها وحتى بعد إقرار مجلس الأمة لها وان إقرار المجلس لها لا يطهرها من العوار الذي أصابها منذ نشأتها لأنها نشأت مخالفة للدستور أصلا وأكدت بذات الوقت أن رقابة المجلس عليها هي رقابة سياسية أي تراقب بواعث هذا التشريع وهو ما لا تدخل به.
التصدي لمراسيم الضرورة
رابعا: لأول مرة تأتي المحكمة الدستورية بتاريخها وتؤيد ما ذهب إليه القضاء المقارن بشأن التصدي لمراسيم الضرورة وهو ما اتضح من حكمها رغم عدم الاشارة إليه بأنها سلكت ذات الطريق الذي سلكته المحكمة الدستورية المصرية في عام 1985 حينما قضت بعدم دستورية التعديل على قانون الاحوال الشخصية وما سمي «بقانون جيهان السادات» ورأت انتفاء حالة الضرورة لكونه شرطا قانونيا يتوجب تحققه، وللقضاء الحق بالرقابة عليه، ولا يعتد بإقرار المجلس اللاحق له لأن العوار الدستوري قد أصابه منذ نشأته وهو ذات المسلك الذي أخذت به المحكمة الدستورية في حكمها بعدم دستورية مرسوم اللجنة الوطنية العليا للانتخابات وبذات التسبيب.
خامسا: أكدت المحكمة الدستورية في حكمها الذي خلص إلى دستورية مرسوم الصوت الواحد أو حتى بعدم دستورية مرسوم اللجنة الوطنية العليا للانتخابات بأنها الفيصل في تحديد أمر الضرورة وهي من تتولى تقديرها وهي الحكم بين السلطات مجددا وقد أظهرت ذلك في أربع قضايا في حكمها الأول عندما أكدت انها تراقب كل التشريعات مهما كانت وأي ما كان موضوعها أو نطاق تطبيقها ولا يمكن التذرع بأنها من قبيل الأعمال السياسية لأن العبرة برقابة المحكمة على تلك المراسيم طالما أن الحكومة باشرت عملا تشريعيا، وثانيا أنها رأت توافر حالة الضرورة الموجبة لإصدار مرسوم الصوت الواحد لارتباطه بمصلحة وطنية استلزم حمايتها وبذات الوقت رأت عدم توافر تلك المصلحة في مرسوم اللجنة الوطنية العليا للانتخابات فقررت إلغاءه لمخالفته نص المادة 71 من الدستور وهو ما يعني أنها رأت أن الضرورة شرط وهي من تقدر توافره وثالثا انتهت المحكمة بأن العبرة في سلامة التشريعات الاستثنائية التي تصدرها الحكومة في غياب مجلس الأمة بمراقبتها هي وليست برقابة مجلس الأمة عليها التي أسماها الحكم بالرقابة السياسية التي لاعلاقة لها فيها وهو ما سيجعل مستقبلا أمر استخدام مراسيم الضرورة بأضيق الحدود لأنها قابلة للإلغاء من قبل القضاء حتى لو وافق عليها المجلس، ورابعا أنها رأت كما في أحكامها السابقة التأكيد على مبدأ المواءمة والتوازن من جهة والمنطق القانوني في حكمها من جهة أخرى لدى التصدي للطعون التي نظرتها فرأت توافر الضرورة في مرسوم فمررته ولم تجد هذه الضرورة في مرسوم آخر فألغته، بل وألزمت الحكومة بقيود عليها أن تراعيها مستقبلا وإلا فسيكون نصيبها الالغاء حفاظا منها على صون النظام البرلماني وما يتطلبه من تحقيق حالة التوازن المطلوب، فهي لم تجرد السلطة التنفيذية من حقها في استخدام نص المادة 71 من الدستور ولاهي أطلقت يدها باستخدامها، بل دعتها إلى ممارسة هذا النوع من التشريع الاستثنائي في أضيق الحدود، وبذات الوقت مدت المحكمة نطاق رقابتها على الأعمال التي تمارسها الحكومة سواء في إجراءات حل مجلس 2009 التي أبطلتها في حكمها السابق الذي أصدرته في 20 يونيو 2012 أو بحكمها في 16 الجاري بعدم دستورية مرسوم الضرورة بشأن انشاء اللجنة الوطنية العليا للانتخابات، وهو ما يعني عمليا أن تذرع الحكومة بنظرية أعمال السيادة لم يعد مجديا بعد بانحسار هذه النظرية في نظر المحكمة بعد تأكيدها أنها تملك الرقابة على كل أنواع التشريع ومهما كان تنظيمها.
وبعد الانتهاء من إيراد الملاحظات العامة للحكم الذي أصدرته المحكمة الدستورية هناك ملاحظات على منهج المحكمة في تصديها للطعون التي فصلت فيها:
وأولى تلك الملاحظات أن المحكمة الدستورية أكدت مجددا على رقابتها على العملية الانتخابية معتبرة إياها بالرقابة الشاملة عليها ولا يجوز لها أن تتحلل من تلك الرقابة بذريعة أنها أعمال سياسية، وهو ما يعني إمكانية بطلان أي انتخابات مقبلة إن كانت الإجراءات المؤدية للانتخابات التي أجريت ليست بسليمة وبسبب تلك الإجراءات تكون العملية الانتخابية قد تزعزت ما يتعين بسط رقابتها على كامل العملية الانتخابية وثانيا تأكيد المحكمة أن البطلان الذي تقرره إذا رأته بأنه شاب العملية الانتخابية برمتها لها أن تقضي به ولا يقتصر على الدائرة التي أثير منها الطعن الانتخابي وهو ما يعني سلامة الطعون الانتخابية التي تقوم في دائرة انتخابية واحدة وتتوافر المصلحة والصفة فيها إن كانت الطلبات فيها تنتهي إلى بطلان العملية الانتخابية كاملة وفي الدوائر الخمس. وثالثا تقرير المحكمة ان سلطة الحل مقررة للسلطة التنفيذية وهي أحد السبل لاحكام المعادلة والتوازن بين السلطة التشريعية والتنفيذية ويجوز استخدامه من الحكومة إذا اقتضت له الضرورة التي رأتها المحكمة أنها كانت بسبب عدم انعقاد المجلس مجددا بسبب إصرار بعض نوابه على عدم الحضور علاوة على أن المحكمة رخصت الحكومة من تحديد أسباب سياسية حتى تستخدم سلطة حل مجلس الأمة ومنحتها مسوغا جديدا للقيام به بقولها إذا ما دعت الضرورة، ورابعا أن عدم أداء الحكومة اليمين أمام المجلس ليس سببا لعدم صحة مرسوم الحل لأن العبرة بسلامة الحكومة والأعمال التي تؤديها هو بأدائها اليمين أمام سمو الامير لتنهي الجدل حول سلامة الحكومات التي لا تؤدي اليمين أمام مجلس الامة، وخامسا بأن المقصود بعبارة إذا حدث التي استهل بها نص المادة 71 من الدستور أن ينصرف معناها الى شمول الاحداث والظروف العارضة وما تقتضيه المصالح الملحة للاخطار المهددة بما فيها الاحداث المتفاقمة والمستمرة التي تأخذ حكمها دون قصر الفهم على لزوم أن يجد حادث جديد وهو ما يعني أن المحكمة الدستورية قد وسعت مفهوم الحدث الذي استلزمته المادة 71 من الدستور فهي تقول لا يشترط أن يقع الحدث بعد غياب المجلس لان المفهوم الواسع للحدث هو أنه قد يكون مستمرا في وجود المجلس إلا أنه قد تفاقم في فترة غياب مجلس الامة ما يبرر إصدار مراسيم الضرورة وبذات الوقت أكدت على ضرورة وجود حدث لاستخدام هذه المادة كان مستمرا فتفاقم أو حدث جديد بعد غياب المجلس.
الإسراع في اتخاذ التدابير
سادسا رأت المحكمة أن المقصود بعبارة الاسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير هو الاسراع في اتخاذ اجراءات تشريعية لا تحتمل بطئا او تسويفا وهنا بررت المحكمة حق الحكومة في استخدام المادة 71 من الدستور بأن لها الاسراع باتخاذ التدابير التي لا تحتمل بطئا اي لا تحتمل بدء دور الانعقاد أو انتظار المجلس الجديد بعد عقد الانتخابات.
سابعا أوجدت المحكمة الدستورية معيارا جديدا لم يرد في نص المادة 71 من الدستور لتبيان حالة الضرورة الموجبة لتفعيل نص المادة 71 من الدستور منها أن المحكمة تتأكد من توافر حالة الضرورة من أمرين الأول المذكرة الايضاحية للتشريع الصادر والاسباب التي دعت اليه وثانيا ارتباط هذا التشريع بما أسمته مصلحة الدولة العليا فإذا ما تأكد لها أن الاسباب الواردة بالتشريع لها علاقة بمصلحة الدولة العليا فستعتبره تشريعا توافرت به حالة الضرورة، كما رأيتها في مرسوم الصوت الواحد وإذا اختلت الاسباب عن مصلحة الدولة العليا فهي تقضي بإلغائه كما فعلت مع مرسوم اللجنة الوطنية العليا للانتخابات عندما قالت ان المصلحة الوطنية العليا للدولة أعظم شأنا وقدرا من أن يستخدم التشريع الاستثنائي من أجل انشاء لجنة أو كيان تنظيمي بإمكان المشرع العادي أن يقوم به.
تنفيذ الحكم
يوجب حكم المحكمة الدستورية ضرورة تنفيذ الحكم الذي انتهى إلى بطلان الانتخابات التي أجريت في الأول من ديسمبر الماضي في الدوائر الخمس وبطلان من أعلن فوزهم وإلغاء ما يترتب من آثار أخصها الدعوة للانتخاب.
ولحكم المحكمة الدستورية أثران أحدهما نافذ بمجرد صدور الحكم، وهو بطلان الانتخابات ومن أعلن فوزهم وأثر آخر هو الدعوة للانتخاب يتوجب لإعماله كما أشارت المحكمة مراعاة الفقرة الثانية من المادة 107 من الدستور والتي تشير «إذا حل المجلس وجبت الدعوة للانتخاب» أي أنه يتعين على الحكومة أن تصدر مرسوما للحل التنفيذي يكون سببه حكم المحكمة الدستورية ببطلان مجلس الأمة الذي قررت المحكمة الدستورية بإبطاله وبعد نشر هذا المرسوم للحكومة أن تصدر مرسوما خلال شهرين بالدعوة للانتخاب، وذلك لان الحكم الصادر من المحكمة الدستورية هو البطلان وليس الحل حتى تتم الدعوة للانتخاب بمجرد صدور الحكم من المحكمة الدستورية فالمحكمة لا تصدر حكما بالحل وإنما بالبطلان وحتى يتحقق أثر الدعوة للانتخاب يتوجب وضع حكم البطلان في مرسوم حل شكلي وبعد نشره تتم الدعوة للانتخاب خلال شهرين.


أضف تعليق