كتاب سبر

إحفر قبرك في يبرود

قبل عدة أسابيع عندما ضربت ثلاثة إنفجارات بسيارات مفخخة الضاحية الجنوبية في بيروت معقل حزب الله أطلق الحزب أنشودة “أحسم نصرك في يبرود” لأنه كان يُعتقد أن السيارات المفخخة كانت تأتي إلى لبنان من بلدة يبرود السورية الحدودية والتي كانت أخر معاقل الجماعات المسلحة التي تقاتل النظام السوري في منطقة القلمون الاستراتيجية. رداً على أنشودة “أحسم نصرك في يبرود” توعدت الجماعات المسلحة مقاتلي الحزب بسوريا بأنشودة “احفر قبرك في يبرود” كنوع من التحدي باعتبار يبرود قلعة محصنة يصعب السيطرة عليها نظراً لطبيعتها الجغرافية.
يوم الأحد الماضي سقطت يبرود ودخلها الجيش السوري، وتشير المعلومات الواردة من معركة يبرود إلى أن مقاتلي حزب الله كانوا القوة الضاربة في إقتحام يبرود، ولكن على عكس ما كان متوقعاً من أن تطول معركة يبرود فإن يبرود سقطت بأسرع مما كان يتوقع الكثير من المراقبين، وتكبدت الجماعات المسلحة في هذه المعركة مئات القتلى، ونتائج معركة يبرود تدل على أن الجماعات المسلحة هي من حفرت قبرها في يبرود. ونظراً للأهمية الكبيرة ليبرود فإنه يمكن إعتبارها “القصير” الثانية، والتي شكل سقوطها بداية التحول النوعي في تغيير كفة الميزان في القتال الدائر في سوريا لتصبح لصالح النظام بعد أن كانت لصالح المعارضة المسلحة. بعد أن أحكم النظام السوري سيطرته على المنطقة المحاذية للبنان تتجه الأنظار الآن إلى منطقة درعا المحاذية للحدود السورية-الأردنية والتي تعد منطلقاً لهجمات مسلحي المعارضة على دمشق وريفها، على أن يكون الهدف التالي للنظام السوري مدينة حلب التي ستكون أم المعارك.
هناك عدة أسباب رئيسية لانقلاب موازين الحرب في سوريا التي كانت لصالح المعارضة وتحولت بشكل واضح لصالح النظام وعلى رأس هذه الأسباب تدخل قوات النخبة في حزب الله في القتال وحسمها لكثير من المعارك مما جعل حزب الله رقماً صعباً في الحرب الدائرة في سوريا. لكن إلى جانب ذلك كانت هناك أمور حدثت لم تكن بالحسبان ساعدت في قلب الموازين بدأت بسقوط حكم الأخوان المسلمين في مصر وأيضاً الارتباك الذي أصاب رئيس الوزراء التركي أردوغان بفعل الفضائح التي لحقت به وبأسرته وحزبه، ومعلوم أن تركيا أردوغان ومصر الأخوان كانا داعمين بقوة لإسقاط النظام السوري. ومن الأمور التي لم تكن بالحسبان ظهور جماعة داعش التكفيرية المتطرفة وبدأها لحرب تصفيات داخل صفوف المعارضة لاسيما مع جبهة النصرة والجيش الحر والذي ترتب عليه تقليل الدعم الأمريكي الأوربي للمعارضة بسبب خوفها من سيطرة الجماعات المسلحة الإرهابية المرتبط بالقاعدة.
كل هذه التطورات أوصلت الدول الراغبة في إسقاط النظام السوري وفي مقدمتها أمريكا وبريطانيا وفرنسا والسعودية وتركيا وقطر إلى قناعة بأن إسقاط النظام السوري بات مستحيلاً وأنه لابد من التعامل مع حقيقة أن النظام باق، ولذا يلاحظ أن السعودية رفعت يدها من سوريا وطلبت من مواطنيها الذين يقاتلون في سوريا العودة إلى بلادهم وإلا تعرضوا للسجن، ومما يدل أيضاً على هذا التوجه أزمة سحب السفراء من قطر على خلفية تضارب الأجندات السعودية والقطرية في مصر بعد أن أدركت كل من قطر والسعودية أنهما قد خسرا الرهان في سوريا فتفرغا للجائزة الكبرى مصر، بينما أصبحت سوريا خارج الحسابات تماماً.
 
د. صلاح الفضلي
@salahfadly

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.