آراؤهم

النفط قيمة اقتصادية بخلفية سياسية!

مما لاشك فيه أنّ النفط يعتبر أحد أهم مصادر الطاقة العالمية بل وعصب الحياة الصناعية في عصر التكنولوجيا الحديثة, لكن قيمته الاقتصادية تنطوي وتتأثر بالخلفية السياسية وعواملها المتغيرة باستمرار. إنّ حالة الهلع والقلق التي يعيشها الاقتصاد العالمي جرّاء انخفاض أسعار النفط هي امتداد لأثر الذهب الاسود في تحقيق المعادلة الصعبة بين الاقتصاد والسياسة في تأمين مصادر الطاقة للمشاريع الصناعية والعمليات العسكرية, لذلك أجد أنّ السرد التاريخي لتأثر أسعار النفط بالواقع السياسي أمر ضروري بل وحتمي ليدرك معه الفرد البسيط وكذلك المتابع لخفايا الأمور أنّ التقلبات في الأسعار تتم بطريقة مدروسة ومحكمة, يتحكم في أدواتها أصحاب النفوذ والقوى في العالم المتقدم، ففي الوقت الذي كان يتوقع فيه خبراء النفط ارتفاع اسعار النفط إلى 120 دولار بسبب موجات الربيع العربي وتداعياته, إلا أنّ التوقعات لم تصدق وهوت الأسعار إلى ما دون 40 دولار!
في الفترة من سنة 1920 إلى 1973 كان سعر برميل النفط أقل من 5 دولارات ثم عند اندلاع الحرب بين العرب والصهاينة في أكتوبر 1973 قرر حكّام الخليج بمبادرة من الملك فيصل رحمة الله تخفيض الإنتاج بل ومنعه من التصدير إلى كل الدول التي كانت تساند الكيان الصهيوني وفي خلال سنتين أرتفع سعر برميل النفط ليصل إلى 15 دولار ومستقراً عند وحول هذا السعر لمدة ثلاث سنوات, وفي بداية الحرب العراقية الإيرانية أستأنفت أسعار النفط الإرتفاع والصعود التدريجي وصولاً إلى 39 دولار للبرميل في سنة 1981 ثم بدأت الأسعار بالهبوط التدريجي لتصل إلى 11 دولار في سنة 1986 ومتذبذبةً صعوداً وهبوطاً حتى وصلت تقريباً إلى 15 دولار قبل إندلاع الغزو العراقي على دولة الكويت سنة 1990 ثم في فترة الغزو أخذت الأسعار بالإرتفاع حتى بلغت 41 دولار ثم تراجعت إلى 11 دولار في نهاية العام 1999 ثم صعوداً إلى 38 وهبوطاً إلى 16.7 وفي فترة دخول الجيش الأميركي للعراق بدأت أسعار النفط بالإرتفاع الصاروخي لتتخطى 40 دولار للبرميل، عندها أحكم الجيش الأمريكي على نفط العراق حتى بلغ سعر البرميل ذروته وصولاً إلى 147 دولار لكن بدأ بالتقهقر في بداية 2009 ومستقراً عند إلى 38 دولار!
إنً دول الخليج تمتلك أكثر من ثلث مخزون الطاقة العالمي, لذلك يجب عليها أنْ تلعب دور محوري وفاعل في التحكم بمتغيرات الاقتصاد العالمي وبالتالي المحافظة على وجودها الإقليمي والعالمي أيضاً. إنّ هذه التقلبات في أسعار النفط بالتأكيد أنها ترجع لأسباب إقتصادية لكن بخلفية سياسية بحتة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر بعض النقاط التالية:
كان ولازال للملكة العربية السعودية وبالتعاون مع دول الخليج دور أساسي ورئيسي في التحكم بسوق النفط العالمي, لذلك ترغب المملكة بتعزيز وتأكيد هذا الدور المحوري مع تطوير أسس الشراكة مع اوروبا الصناعية وآسيا المتعطشة للبناء والتنمية.
تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان واليمن والذي بات يشكل هاجساً عالمياً وخليجيا على وجه الخصوص.
ترويض الدب الروسي بسبب تدخله في أوكرانيا وذلك عن طريق استمرار العقوبات المفروضة عليه وبالتالي دخوله في ازمة داخلية خانقة.
تعويض بعض الدول الأوروبية الصناعية عن ما أنفقته في تدخلاتها العسكرية في ليبيا وسوريا والعراق.
التقليل والتخفيف من أثر النفط الصخري الأمريكي وإثبات عدم كفاءته اقتصاديا وبالتالي العودة لاستيراد النفط من الملكة العربية السعودية وباقي الدول الخليجية.
تخزين النفط لكبح جماح الزيادة المتوقعة في الأسعار بسبب موجة الصراعات العسكرية, لكن ذلك ساهم بشكل غير متوقع بانخفاضها.
و بما أنّ دولة الكويت أحد الأعضاء الفاعلين من حيث الإنتاج في منظمة أوبك فإنه يجدر بنا توضيح وتبيان التأثير السلبي من التراجع المخيف في أسعار النفط على دولة الكويت خصوصاً  وباقي دول الخليج. منذ بداية أزمة إنخفاض الأسعار وحتى بداية سنة 2015 بلغت خسائر الكويت من الإيرادات النفطية أكثر من 14 مليار دولار وبسبب هذا التراجع الحاد وصول سعر البرميل 50.7 دولار ومسجلاً انخفاضا قدره 2.2 دولار دفعة واحدة لتعيش الكويت أسوأ موجة تراجع بالأسعار منذ 2008 وفقا لما صرّح به كثير من الخبراء النفطيين, لذلك على الدولة دراسة جميع الأسباب وبالتالي وضع الحلول الممكنة لتقليل آثار موجة الانخفاض الحالي والمستقبلي أيضا، وللوصول إلى بعض هذه الحلول يعكف معهد الكويت للأبحاث العلمية على دراسة لمواجهة آثار انخفاض اسعار النفط حيث قدّر مدير الاقتصاد التقني في المعهد الدكتور محمد العنزي خسائر دول الخليج من جرّاء هذا التراجع خلال الأشهر الستة المقبلة ما يقارب 215 مليار دولار, لذلك أجد أنّ تنويع مصادر الدخل بات ضرورة حتمية يجب على الدولة العمل بها فالنفط اليوم موجود وغداً مفقود، والسؤال المُلِح والذي دائماً ما يتبادر إلى الأذهان, ألم يتفكر المسئولون وصُنّاع القرار بتجارب الدول الأخرى كسنغافورة على سبيل المثال، فبالرغم من صغر مساحة سنغافورة وقلة مواردها الطبيعية، إلا أنها الآن في مصاف الدول المتقدمة لتطبيقها نظرية منصة التصدير، فهذه النظرية تعتمد على إستقطاب وجذب المستثمرين عن طريق جلب العلماء والتقنيات المرغوبة عالمياً ومن ثم تطبيقها محلياً وتصديرها للعالم، ليس بالضروره تطبيق النظرية السنغافورية في الكويت ولكن البحث عن بدائل إقتصادية ضرورة حتمية حتى لا نكون كالمحبوس في سجن النفط الناضب. كذلك نستطيع الاقتداء بالنرويج كمثال لإحدى الدول النفطية التي لا تعتمد في دخلها على النفط والغاز الطبيعي بل تضع العوائد في صندوق للأجيال القادمة مع التنويع في مصادر الدخل الأخرى، لذلك نجد أنّ النرويج في الصدارة العالمية طبقاً لمؤشر التنمية البشرية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي مع أنّ تعدادها السكاني لا يتجاوز 6 ملايين نسمة، وخذ على سبيل المثال المملكة المتحدة كمثال لبلد كان يقوم على الصناعة لكن لظروف اقتصادية قاهرة تراجع إعتمادها الإقتصادي على الصناعة لكنها لم تستسلم بل وسعت لإيجاد بدائل حيوية ديناميكية لتعزيز الاقتصاد منها الضريبة (والضرائب بشكل عام نظام فعّال إنْ تم تطبيقة بشكل صحيح خاصةً على المصانع والشركات مع التأكيد على عدم المساس بذوي الدخل المحدود)، كما أنّ النظام في حياة الغرب وبعض شرق آسيا ثروة ثقافية وقيمة حقيقية إستطاعوا من خلاله إستثمار العنصر البشري في تعزيز الإقتصاد وتفعيل دور الفرد في المجتمع، أما نحن فأعطانا الله الثروة فلم نستثمرها والنظام للأسف لدينا مفقود وبالتالي أصبح للفرد تأثير سلبي على الدولة ولا شك أنّ الدولة تتحمل تبعات هذا التراجع القيمي وبالتالي الاقتصادي.
إنّ تنويع مصادر الدخل الهدف منه تكوين رافد أساسي لتعزيز الإقتصاد وليكون عامل مساعد في تقليل إعتماد البلد على المصدر النفطي الوحيد، والحقيقة أنّ انخفاض أسعار النفط جرس إنذار على الدولة التفاعل معه والتحكم به قبل فوات الأوان وكما ذكرنا سالفاً انخفاض الأسعار أزمة اقتصادية لكنه يحمل بين ثناياه خلفية سياسية وللأسف بات الجميع في مجتمعنا يتعاطى السياسة اعتقادا أنّ الحلول تكمن في فهم الجوانب السياسية والمفارقة التي لا يريد البعض استيعابها أنّ الحلول قد توجد في جوانب أخرى غير السياسة!
وختاما, ندرك أنّ الكويت مخنوقة اقتصاديا وسياسياً لكن السؤال الكبير والذي يتبادر للأذهان, هل الحكومة بمستشاريها وبأدواتها وبجيشها الجرّار لا تدرك حجم التحديات ولا تعلم كيفية إيجاد الحلول؟ بالتأكيد أنّهم يدركون هذه التأثيرات ويعلمون حجم التحديات, لكنهم للأسف لا يستطيعون التغيير لأنّهم جعلوا خيوط اللعبة بأيدي غيرهم لا بأيديهم, وفي عصر السرعة والقوة لا مكان للضعيف بين الأقوياء بل هو في الحقيقة أداة من أدوات التغيير!
والله المستعان ..
د. عدنان عويد الهذال
دكتور الهندسة الكيميائية

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.