فأما قبل:
هناك .. بعيداً جداً من على قارعة الطريق نفترش أنفسنا
نبيع كل شيء للعابرين من فوقنا .. أحلامنا التي لم ترى النور بعد وضحكاتنا المنسية وملامحنا المسحوقة..
إلا الوطن .. ألصقنا عليه عبارة ” ليس للبيع ” وغير قابل للمساس
وفي أقرب فرصة له .. باعنا بثمنٍ بخس
(0)
جميعنا متشابهون .. وهذا الحزن الذي نحت معالمه على محيانا
وجعل من هذا الوطن العربي الممتد من المشرق إلى المغرب جهنم مصغرة
يهرب منه أبناء جلدته فزعين على مراكب الموت إلى أي شيء غير هذا الوطن العربي
من جعلنا نرى أوطنانا مقابر جماعية ؟
(1)
فأما بعد:
وأي شيء يشبه ” حُزن العراق ” ؟
عبثاً أحاول منذ عدة أيام محاولة الكتابة عن العراق المنسي.. عراق الفن والأدب والثقافة والجمال والحضارات الممتدة إلى ما هو أقدم من 2000 عام قبل الميلاد , عراق الإنسان بعيداً عن السياسة وقذارتها , هذا البلد الذي أنهكته الحروب والطغاة منذ عهد الحجاج وما قبله إلى المغول الذين استباحوا بغداد ودمروا مكتباتها وكتبها ودور علمها حتى تحول لون مياه نهر دجلة حينها إلى لون الحبر إلى صدام والبعث والمالكي وملالي طهران الخبيثة .. عراق سومر وبابل .. عراق الأصمعي والمتنبي ..عراق مظفر النواب وأحمد مطر .. عراق السيّاب والجواهري ونازك الملائكة وناظم الغزالي وياس خضر ومعروف الرصافي وسعدون جابر ووليد الدليمي .. عراق سعد الحلي وعدنان الصائغ وعبدالرزاق عبدالواحد وفؤاد سالم وزهير الدجيلي والكثير الكثير.. عراق ثورة العشرين .. عراق شارع المتنبي .. عراق الإنسان .. عراق المهاجرين هرباً من بطش الديكتاتوريات المتعاقبة على هذا الوطن الحزين , هذا الوطن الذي نُسج الحزن رداءً له فأصبح هويته وملامحه وقصيدته وأغنيته وصوته .. دمر الطغيان فيه كل شيء ودمر معه الإنسان العراقي البسيط أيضاً ولم يترك له سوى حزنه ليتأبط حزنه ويرتحل معه هرباً من ذلك الجحيم ومعه ما تبقى من ذكرياته الجميلة عن العراق ليعيش ويموت في الغربة ومن لم يهاجر يعيش داخله شبه حي لكنه ميت.. الجميع يسرقه بإسم السياسة والدين والطغيان ولا يكترث له أحد ليعيش ويموت على الهامش دون أن يسمعه أحد أو يراه أحد .
هذا البلد الذي حتى وإن لم يكن هناك ما يربطك به ستحبه وسيجذبك إليه أدباً وفناً وثقافة .. وحزناً على حاله , كيف سرقه السارقون فأصبح بلا طعم ولا لون ولا رائحة .. محافظة إيرانية تابعة لديكتاتورية الملالي التي أغرقت العراق في وحل الدمار والطائفية والطغيان خلفاً لديكتاتورية البعث لتكمل مسلسل الطغاة الذين دمروا العراق على امتداد تاريخه ولم يبقوا منه شيئاً .
…..
وأي شيء يشبه حزن العراق ؟
مات فؤاد سالم في منفاه
وهو يغني ” دقيت بابك يا وطن .. وأنا غريب ببابك “
ويذبل مظفر النواب وحيداً يصارع الحياة وقد أكلت الغربة والأمراض والزهايمر جسده وعقله
ويعيش أحمد مطر خارج خارطة الحياة
وبغداد .. أصبحت عاصمة “الكوليرا” في العالم
وقبلهم كلهم ذبل العراق وفقد هويته وملامحه
وكيف يُرثى العراق ؟
والجواهري كان ينطق ” العِراق ” ” عُراق ” بضم العين
فلما سألوه عن السبب
قال يعز علي أن أكسر عين العراق
وكسرها أولئك الطواغيت الذين سرقوا العراق على امتداد تاريخه ودمروه
فماذا تبقى من العراق للعراق ؟
وماذا تبقى من العراق للإنسان العراقي ؟
صعلكة:
أوطاننا المعلبة
وأحلامها الهشّة
وبقايا الذكريات
كلها أصبحت فجأة ” لوحة بورتريه “
عبدالله محمد الشمري
Twitter:@abdullah_al_sha


أضف تعليق