ما الإسلام؟.. وما هي رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم؟.. أليست تحقيق إرادة الله من الخلافة في الأرض، بعدم الإفساد وسفك الدماء؟.
يقول تعالى ولاحظ أن ذلك جاء في مستهل كتابه العزيز (بعد الفاتحة وفي مستهل سورة البقرة بعد آيات الإيمان والكفر والشرك والجزاء): “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ” البقرة 30.
وكيف يتحقق عدم الإفساد وبماذا؟.. أليس بالعدل وعدم الظلم والإحسان والخير ونبذ الشر واتباع طريق الصواب؟.
ألم يحدده الله في تلك الآيات (آيات خلق آدم) عندما قال: “قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ”البقرة 38، وما هو هدى الله؟.. ألم يقله جل شأنه في مستهل السورة؟.. ” الم* ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” البقرة 1-5، ثم ألم يحدد الله سبحانه وفي نفس السورة ونفس الاستهلال صلف وغرور وظلم الذين كفروا، وبالتفصيل؟.. يقول سبحانه: “إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ* وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ* يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ* فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ* وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ* أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ* وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ* وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ* اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ* أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ* مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ* صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ* أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ* يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”البقرة 6-20.
ألأ يقول النظام الروسي ومعه النظام الإيراني وهما يحرقان المدن ويشتتان ويشردان شعب سورية بأنهم مصلحون ويقاتلون من أجل الله!؟.. إن هذا الدين منتصر دون ريب والبشر يسيرون كما نرى في هذا حتى يبلغ الأمر مداه الذي يريده الله، فتتضح قيم عدم الإفساد وتزداد جلاءً، ليكون الإيمان، ضد الظلم والقهر، صنائع الكفر والشرك.
لقد تحقق هذا على مر التاريخ ومنذ كانت رسالة الله الختامية للبشرية، فكان المسجد الأقصى مركز الصراع وسورية قلعة الإيمان الكبرى، وحصن المواجهة الأول لهذه الأمة، وبقرار من النبي محمد صلى الله عليه وسلم عندما أوصى الصحابة وبأحاديث متواترة بأرض الشام ودعا لها.
كانت أرض الشام جبهة قتال لا تهدأ وظل الهجوم عليها متواليا ومن كل الأعداء، وظلت الخيانة فيها هي الأوجع كما كان النصر فيها الأوقع، وكما كان النضال والجهاد والرباط فيها الأنجع، وفيها غُلب المجوس واندحر الروم وتمزق التتار وانهزمت اثنتا عشر حملة صليبية وتراجع نابليون عند (أسوار عكا)، ثم دار الزمان حتى كانت المناجزة الحالية في نطاق العدوان اليهودي، وفيها يخدم أعداء سورية هذا العدو ويدعمون وجوده بتثبيت الخونة والضالين.
ومن يحارب الخير والإيمان والحرية في سورية؟.. أليس حلف الظالمين البغاة في بلادهم، يقتلون فيها النسل ويهلكون الحرث قبل أن يفعلوا مثله في مدن سورية؟.
ألم يأت الحكم الروسي الذي يعربد في أرض الشام من رحم شيوعية قتلت من الروس وشعوب الاتحاد السوفياتي أكثر من 20 مليون إنسان لتطبق الاشتراكية!؟.
ألم يأت هذا الرجل (فلاديمير بوتين) من رحم مخابرات العهد السوفياتي كديكتاتور دموي قمعي وحاكم فرد، يختال باسم (القيصر) ومن دون مجلس شورى كما كان لقياصرة روما والقسطنطينية الأصليين؟.
كان بوتين هذا ثمرة دور حققه بلد إسلامي انفضحت فيه الشيوعية، وساهم بهزيمتها ضمن ما ساهم من انهيار دولة كفر حسب الناس يوما أنها سادت العالم، فتفكك الاتحاد السوفياتي، ودبّت ببلده الأصلي (روسيا) فوضى عصابات المافيا وتحلل الدولة فجاء بوتين ليجلس على قمة الهرم فحكم لدورتين متواليتين، ثم كان يتعيّن أن يغادر بنص الدستور فاحتال بطغيان شهده كل العالم فرشح صبيا عمل مديرا لمكتبه ليكون رئيس الجمهورية ويكون هو رئيس الوزراء الذي يحكم من وراء الستار بينما رئيسه الإسمي يقدم له أقداح الشاي والقهوة!.
كان زعماء العالم يذهبون إلى موسكو فيستقبلهم الرئيس (الشكلي) ديمتري ميدفيديف (مواليد 1965) ثم يواكبهم حتى مقر بوتين فيجري البحث في العلاقات الثنائية والقضايا المشتركة!.. فلما انتهت مدة الأربع سنوات لرئيس الظل هذا عاد بوتين إلى موقعه الأول اسما وفعلا، ليكرر رئاسته كديكتاتور، فلما ثار عليه الناس قمعهم!.. هذا هو الحاكم العادل الذي يريد محاربة الإرهاب في سورية!.
ومن حليف بوتين هناك أكثر من دولة الولي الفقيه الإيراني؟.. دولة يقوم نظامها على القهر والديكتاتورية فأقل من 40% من السكان يفرضون لغتهم وتاريخهم وعنصريتهم (الفارسية) ومذهبهم على 60% من السكان من مذاهب وقوميات أخرى، السلطة لا تسمح لأحد بالولوج إليها إلا إذا كان من لونها، وتحرس ذلك بنظام دموي مجرم، يقوم على (تشخيص مصلحة النظام) وتنقية دهاقنة لاهوت (مجلس للخبراء)، يحكمون بالحديد والنار وبقبضة أمنية مجرمة، ويهيمن على 75% من الاقتصاد فسدة (منظمة) الحرس الثوري، الذين يجيشون الرعاع والجهلة والأميين للموت في سورية. لقد أفقرت سياسات هذا النظام الإيرانيين وفرضت عليهم حياة الضنك والمعاناة، وقتلت مليوني مواطن على الأقل منذ أن عاد رب النظام (آية الله) الخميني إلى إيران من باريس، مدججا بنظرية مصطنعة تجعل (المرشد الأعلى) إلها غير مردود الكلمة، يدور في فلكه كل أمر وقرار، لينفق الأموال يمينا ويسارا وبشتى الدول لخلق الفتن بينما شعوب إيران تركب قوارب التهريب لتهاجر، أو تقف في الطوابير للحصول على الدواء والماء ويعاني شبابها من البطالة وتمتلئ سجونها بعشرات آلاف المعارضين وتحتل المرتبة الأولى دون منازع بعدد المحكومين بالإعدام.
كل هذا البلد خرب وبناه التحتية مدمرة، ونظمه الإدارية تستخدم أدوات القرن الماضي، وله مشاكل مع كل دول الجوار ويحوز كمية مرعبة من البغضاء من شعوبها. نعم إن هذين هما عدوّا حرية سورية وحقوق شعبها، يرفدهما تواطؤ الكفر الأكبر في العالم، متمثلا بالغرب الذي تفضح المعركة نفاقه ودجله، خائضا في فوبيا الإسلام ومحاربته على كل الأصعدة، منطلقا من يقين أنه الدين الحق، يقدم الحلول لحياة خالية من الظلم، برسالة عدل ينبذها نظام عالمي عماده الربا والدعارة وأكل القوي للضعيف، والخبث والوساخة بل حتى انعدام الأكل الطيب ومرض النفوس وانعدام النبل والكرامة الإنسانية.
سورية تحارب كل هذا وتراكم الفضح على هؤلاء سيقضي على هيبتهم في بلادهم ويدفع شعبي روسيا وإيران إلى التمرد. إن كل شهيد في سورية، وكل طفل ممزق الجسد وكل امرأة باكية منتحبة تتناقل الوسائط صورهم هم أسلحة فتاكة توقظ ضمير البشرية.. إنها مقاومة المستضعفين لهؤلاء حتى يتم النصر في سورية وفي بلاد الظالمين نفسها. في سورية سبق وأفنى الغزاة مدنا كاملة، لكنها ظلت سورية أرض الشام كما أسماها الرسول صلى الله عليه وسلم، فعن زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يا طوبى للشام يا طوبى للشام يا طوبى للشام) قالوا: يا رسول الله وبم ذلك؟ قال: (تلك ملائكة الله باسطوا أجنحتها على الشام) المصدر: صحيح – فضائل الشام ودمشق. في أرض الشام يتنزل المسيح عليه السلام قبل أن يتجه إلى أرض المنشر والمحشر.. روى الإمام أحمد بسنده عن ميمونة بنت سعد مولاة النبي، قالت: يا نبي الله، أفتنا في بيت المقدس، قال: (أرض المحشر والمنشر).
وأرض الأقصى المبارك مباركة للعالمين جميعا وليس للمسلمين فقط، ووردت الأرض المباركة في القرآن الكريم أربع مرات بقوله تعالى: “وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ (الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ” الأعراف 137، قوله تعالى: “وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى (الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ)” الأنبياء 71، وقوله سبحانه: “وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ (إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا) وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ” الأنبياء 81، وقوله عزّ من قائل: “وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ (الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا) قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ” سبأ 18. فمن فلسطين تحل البركات على العالمين ويتم بهذه المواجهة إصلاح العالم وصولا إلى غاية الخلق الأولى بعدم الإفساد والصلاح وعبادة رب واحد دون شرك به وبهدي منه، وهو نفس ما ينطبق على الكعبة الوحيدة على الأرض بيت الله الحرام. يقول تعالى: “إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ* فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّه غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ” آل عمران 96-97، فالبركات والهدى للناس جميعا لنلحظ أمرا مهما وهو أن جل آيات الحج تخاطب الناس وليس المسلمين ليكون (على الناس) جميعا حج البيت من استطاع إليه سبيلا، مع شرط الإسلام لهذا الحج، أو الشعيرة التي يعود بها كل (إنسان) ليطوف ببيت أبيه الأول آدم، فيخضع ويتعبد لخالق لا شريك ولا ند له، وليسعى حيث سعت (هاجر) عليها السلام في أرض جدب صخرية من الوادي غير ذي الزرع فرزقها الله من حيث لا تحتسب، وليقف على صعيد عرفات، في استسلام للإيمان بالآخرة والتساوي مع الآخرين مما لا يحققه أي مشهد آخر.
إنها معركة الإيمان مع الكفر، ومعركة الصلاح ضد الفساد، ومعركة صون الدماء ضد إهراقها، ومعركة الحرية ضد القهر.
وأختم إن القضية الأهم الآن هي صمود ووحدة واسمرار التعافي للبيت السعودي الخليجي العربي فهنا تتجلى وحدة غالية فيها سر كل شيء، تماما كما وحدة علي بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام رضي الله عنهم وأرضاهم ضد الخوارج والمجرمين (قتلة عثمان)، والتي أعملت الفتنة ضدها فعلها في موقعة الجمل، فكان الذي كان، وهنا يصدق الحديث النبوي الشريف (عدتم من حيث بدأتم عدتم من حيث بدأتم)، ففي البخاري: “حدثنا عبيد بن يعيش وإسحق بن إبراهيم واللفظ لعبيد قالا حدثنا يحيى بن آدم بن سليمان مولى خالد بن خالد حدثنا زهير عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (منعت العراق درهمها وقفيزها ومنعت الشأم مديها ودينارها ومنعت مصر إردبها ودينارها وعدتم من حيث بدأتم وعدتم من حيث بدأتم وعدتم من حيث بدأتم) شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه) وفي الحاشية أن قوله صلى الله عليه وسلم: (منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر أردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم) أما (القفيز) فمكيال معروف لأهل العراق، قال الأزهري: هو ثمانية مكاكيك، والمكوك صاع ونصف، وهو خمس كيلجات، وأما (المدي) فبضم الميم على وزن (قفل)، وهو مكيال معروف لأهل الشام، قال العلماء: يسع خمسة عشر مكوكا، وأما الإردب فمكيال معروف لأهل مصر، قال الأزهري وآخرون: يسع أربعة وعشرين صاعا، وفي معنى منعت العراق وغيرها قولان مشهوران: أحدهما لإسلامهم، فتسقط عنهم الجزية، وهذا قد وجد، والثاني وهو الأشهر أن معناه أن العجم والروم يستولون على البلاد في آخر الزمان، فيمنعون حصول ذلك للمسلمين، وقد روى مسلم هذا بعد هذا بورقات عن جابر قال: يوشك ألا يجيء إليهم قفيز ولا درهم قلنا: من أين ذلك؟ قال من قبل العجم، يمنعون ذاك، وذكر في منع الروم ذلك بالشام مثله، وهذا قد وجد في زماننا في العراق، وقيل: معناه أن الكفار الذين عليهم الجزية تقوى شوكتهم في آخر الزمان فيمتنعون مما كانوا يؤدونه من الجزية والخراج وغير ذلك ،وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (وعدتم من حيث بدأتم)فهو بمعنى الحديث الآخر: (بدأ الإسلام غريبا، وسيعود كما بدأ).
وهنا تعود أرض جزيرة العرب مروجا وأنهارا، فهنا الخير كله من الكويت حتى عدن، مصداقا للحديث النبوي الشريف الذي يرويه ابو هريرة رضي الله عنه بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحدا يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا)رواه مسلم.
إن المناخ الصحراوي ناجم عن وقوع جزيرة العرب بين خطّي عرض 12-32 شمال خط الاستواء، فكانت قلّة الأمطار وندرتها، وارتفاع الحرارة، وغياب الغطاء النباتي، وهو ما تؤشر عليه الآية الكريمة التي تتحدث عن هروب موسى عليه السلام إلى مدين:”وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ” القصص 23، فالازدحام عند مورد الماء يدل على الجفاف، وهو ما نجده في تفسير معنى الأحقاف “وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتْ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ” الأحقاف 21، والأحقاف كما يقول المفسّرون “جبالٌ من الرمل”، وكذا في قوله تعالى: “رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ”إبراهيم 37، والمرج في اللغة الأرض الواسعة ذات نبات كثير تمرج فيه الدواب، أي: تسرح مختلطة كيف شاءت، وعلماء الجيولوجيا يجزمون الآن بما شهدته الأرض في فجر التاريخ من عصر جليدي شديد البرودة وما تلاه من ذوبانٍ لذلك الجليد، وبحسب التوزيع الحراري يقتضي ذلك أن شبه الجزيرة وفي وقت لاحق كانت معتدلة المناخ دافئة نسبيّا، ومرت بفترات مطيرة مزدهرة عامرة بالغطاء النباتي، وأن المستقبل يحمل معه نفس التحول الذي يطابق الحديث النبي (تعود) أي أنها كانت، فتعود، والإمام القرطبي يرى أن هذه العودة (المروج والأنهار) ستكون بفعل التدخل البشري فيقول:”وتنصرف دواعي العرب عن مقتضى عادتهم من انتجاع الغيث والارتحال عن المواطن للحروب والغارات، ومن عزة النفوس العربية الكريمة الأبية إلى أن يتقاعدوا عن ذلك، فيشتغلوا بغراسة الأرض وعمارتها وإجراء مياهها، كما قد شوهد في كثير من بلادهم وأحوالهم”.
ولا يتعارض هذا مع علماء الطبيعة من أن معالم الفترة الجليدية التالية بدأت، وهو ما نشهده من سقوط الثلوج على مناطق من ارض الجزيرة في الأعوام الأخيرة.
وأختم بقوله تعالى: “يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ” التوبة 32، ويقول سبحانه: “يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ” الصف 8، صدق الله العظيم.


أضف تعليق