كتاب سبر

الأحواز.. الدولة العربية الكبرى السليبة.. ووجع النظام الإيراني

مجرد اجتماع صغير، شعبي الطابع وغير رسمي، حضره لفيف من أهل الأحواز الكرام أثار الذعر في طهران وجعلها تصدر بيانات الشجب والاستنكار وتوزع تهم التدخل في الشؤون الداخلية، وكأنها لا تتدخل في أي بلد، ولا تحشر أنفها في كل بلد!.. فما قصة الأحواز وما هي أهميتها وما مشكلتها مع النظام الإيراني الحالي، وهل من أفق لحل سلمي يعيد لأهلها حقوقهم، وما الذي يمكن أن تفعله الدول العربية والمجتمع المدني العربي من أجل الأحواز، وما فرص خوض نزاع سياسي واسع المدى مع إيران حول هذه المسألة المتصلة بأكثر من 10 ملايين عربي؟.

خلال الحرب الإيرانية العراقية التي امتدت لثماني سنوات، احتل الجيش العراقي مناطق واسعة من هذه الأرض المحتلة، وكانت تنشط فيها جبهة ثورية لتحرير الأحواز تحالفت مع العراق آنذاك وطلبت الاعتراف ببلادها كدولة مستقلة، تقرر هي لاحقا ما إذا كانت ستقيم علاقة ما مع العراق، فذهب طارق عزيز وزير خارجية نظام حزب البعث الأشهر إلى موسكو وفاتح القيادة السوفياتية في الأمر فنهته أشد النهي، وشرحت له كيف أن (الخرائط) الحالية هي نتاج مؤتمر يالطة بعد الحرب العالمية الثانية، وأن فتح ملفات الحدود التي اعتمدت آنذاك ستنجم عنه فوضى عالمية قد تطال العراق نفسه وكثيرا من الدول التي لها مطالبات وعليها مطالبات حدودية، ومن ذلك أن الحكومة القومية في تركية ما زالت (في ذلك التاريخ) تعتمد ضمن الموازنة السنوية لتركية مبلغ دولار واحد في بند الموارد المقدرة بعنوان (نفط كركوك)!.. الأمر الذي جعل العراق أمام الرفض السوفياتي القاطع يتراجع عن خطوته باستقلال الأحواز.

هنا اعتقد الأحوازيون أن نظام صدام حسين باعهم وتخلى عن تحويل حلمهم الذي انتظروه طويلا إلى واقع، وإزاء تصرفات متخلفة للجيش العراقي في ظروف تلك الحرب ارتد كثير من الأحوازيين عن الوقوف مع العراق، ولأن المجتمع الأحوازي قبلي فقد عملت إيران التي كان جيشها يحرز تقدما في القتال على استمالتهم، والتقى (آية الله) الخميني عددا من زعماء القبائل الكبرى وكرر وعوده التي كان قدمها في باريس ونكثها، من أن إيران عند النصر ستمنح الأحواز حكما ذاتيا واسعا، وستعطي الإقليم موارد كافية بما يرفع مستوى معيشة سكانه إلى مستوى بقية المناطق، مع الاعتراف بحقوق العرب الثقافية.

لكن هذا سرعان ما تبخر مع نهاية الحرب، وعادت سياسات القهر والتنكيل الفارسية، واسؤنفت عملية (فرسنة) المنطقة بتوطين الفرس في المدن العربية، ليجدد الشعب هناك احتجاجاته التي توزعت على الكفاح المسلح والنضال السلمي وشتى أشكال المواجهة، بغية نيل حقوقه القومية المشروعة. لكن هذا واجه ظروفا صعبة فعلى الصعيد الإعلامي غفل العرب عن القضية، ولأسباب تتصل بالابتعاد عن تهمة التدخل في الشؤون الداخلية لإيران كانت الدول العربية وخصوصا الخليجية حذرة كي لا تستفز إيران، فلما انفتحت المنطقة برمتها أمام تدخل إيراني استفزازي واسع النطاق وتحول الموقف إلى حرب مفتوحة ضد سياسة تغول إيرانية شديدة الوطأة، ظنت أن أحدا لن يقدر على لجمها والوقوف بوجهها، فقد ازدهرت هذه الأيام دعوات ورؤى عربية للتدخل في شؤون إيران الداخلية وبث الفتنة بين مكوناتها القومية والمذهبية، تماما كما تفعل هي وعلى قاعدة المعاملة بالمثل، لأن الأمر وصل حدا لا يطاق من سلوك عدواني تجاه كل دول العرب ومن دون استثناء.

وقبل الولوج في ارتدادات هذا التحول سيكون مفيدا إلقاء نظرة على تاريخ هذه المنطقة العزيزة التي تعادل مساحتها 16 ضعف مساحة فلسطين، وتطل على كل الجانب الشرقي من خليج العرب وتربض فوق بحر من احتياطات النفط الهائلة.

وقعت الأحواز ضحية المساومات والتفاهمات والمداحرة بين الدولتين الصفوية والعثمانية والتدخلات الإنجليزية مبكرا ففي عام 1897م اغتيل الأمير مزعل بن جابر الكعبي فتسلم الزعامة بعده شقيقه الأمير خزعل الذي تحالف مع الانجليز كبقية حكام الكيانات الخليجية حفاظا على استقلال إماراته من تدخلات القطبين العثماني والصفوي، وكتب عنه أمين الريحاني في (ملوك العرب) بأنه “أكبرهم سنا بعد الملك حسين شريف مكة وأكثرهم شهرة وأعظمهم كرما. وعام 1902م وفي نطاق ما كانت تظهره من التزامات متقلبة وعدت بريطانيا الأمير خزعل رسميا بأنها ستقف في وجه أي هجوم أجنبي يستهدف إمارته، لكنها سرعان ما انقلبت كامبراطورية عالمية عليه ووقعت عام 1907م مع روسيا القيصرية على معاهدة قسمت إيران إلى ثلاث مناطق نفوذ بريطانية وروسية وأخرى محايدة تشمل إمارة الأحواز التي اكتسبت أهمية عظمى جراء اكتشاف البترول فيها في السنة التالية للمعاهدة مباشرة (1908).

وفي ظل بوادر انهيار الدولة العثمانية التي تزامنت مع قيام الثورة الشيوعية في روسيا، رغم أن بريطانيا في الفترة السابقة لهذه التطورات واصلت الاعتراف والتعامل مع دولة الأحواز كبلد مستقل لدرجة أنها منحت الأمير خزعل عام 1910 لقب (سير) ووسام K.C.I.E وألقابا كتلك التي تمنح للزعماء.

ولكن نشوب الحرب العالمية الأولى ودخول الدولة العثمانية في حلف مع ألمانيا أوقع هذا الأحواز بين فكي كماشة عثماني وإنجليزي، فأرسلت بريطانيا إلى (عبادان) قوة مسلحة كبيرة عام 1914م نظرا للأهمية العظمى والاستراتيجية لحقولها النفطية ما جعل الأستانة تحرض قبائل عربية ضد الوجود البريطاني فقامت عشائر مناوئة للشيخ خزعل (بني طرف وبني لام) عام 1915م بإعلان الجهاد ضد بريطانيا. وأمام انتصار الشيوعية في موسكو ازدهر في معسكر الغرب فهم مفاده إيجاد دول إقليمية كبيرة تكون حزام صد للدب الروسي وهو ما دفعت الأحواز تمنه غاليا فتخلى الإنجليز عن دعم استقلال الأمير خزعل لصالح كيان إيراني قوي يكون مع تركية حاجزا بوجه وصول الشيوعية للمياه الدافئة.

لاقى الشيخ خزعل هذه السياسة الغادرة من جانب لندن بالسعي لتوسيع دولته عبر محاولات جدية للفوز بعرش العراق الجديد المتولد عن سايكس بيكو، لكن جهوده باءت بالفشل واتضح عام 1921 أن الخيار استقر لصالح استعارة ملك هاشمي للعراق (فيصل الأول) ليجد خزعل أن الحرب الحقيقية ضد الشاه رضا في عقر داره فتحالف عام 1922م مع العشائر البختيارية المتمردة، كما أنه عرض قضيته ضد المطامع الفارسية على عصبة الأمم عام 1924. وفي نفس الوقت طلب الشيخ خزعل من (علماء) مدينة النجف (الكوفة) إصدار فتوى بتكفير الشاه رضا وهو ما حصل بسبب (عروبة) المرجعية آنذاك، كما زاره الشيخ الحاج أمين الحسيني في المحمرة عام 1921، بعد أن كان الشيخ خزعل وجه رسالة إلى المعتمد السياسي البريطاني في الخليج العربي السر”برسي كوكس” قال فيها: “إن الشعب الأحوازي سيفتدي القدس بنفسه ولن يقبل تدنس أرض عربية من قبل اليهود” المرجع: كتاب الأحواز الماضي، الحاضر والمستقبل – ص 205.

على أن الكثرة تغلب الشجاعة، وبهذا القياس احتلت قوات رضا عام 1925 الأحواز وأسرت الأمير الشجاع والبطل خزعل ونقلته إلى قلعة طهران الحصينة، لكن ذلك لم يخمد حميّة أهل الأحواز الشجعان وظلت الثورة ضد الاحتلال الفارسي قائمة حتى اندلعت مواجهة عارمة عام 1928 بقيادة الشيخ محي الدين الزئبق الذي استعاد السيطرة الشاملة على البلاد لأكثر من ستة أشهر.

لكن نقص السلاح وتخلي المجتمع الدولي عن هذا الشعب المكافح والأساليب الدموية التي اتبعتها قوات الشاه عبر مذابح كبرى إخمد الثورة، فيما اغتيل الشيخ خزعل رحمه الله في سجنه بالسم عام 1936. وعلى الرغم من موت الشيخ خزعل انطلقت عام 1940 ثورة كبرى شاركت فيها جميع القبائل بقيادة الشيوخ حيدر بن طلال الكعبي وكوكز بن زامل الكناني وإبريج الخزرجي، لتحتل القوات البريطانية المنطقة عام 1941م ضمن استراتيجية منع ألمانيا الهتلرية من الوصول للمنابع النفطية، ليتطور الموقف مع روسيا الشيوعية إلى اقتسام النفوذ في إيران ضمن حلف الحرب، تماما كما جرى مع روسيا القيصرية، ولتنتهي الحرب بالانقسام إلى المعسكرين الشيوعي والرأسمالي، وقيام الحرب الباردة وسعي الغرب لإنشاء أحلاف إقليمية ضد السوفيات كحلف السنتو بين باكستان وتركية وإيران، وحلف بغداد وغيره من ترتيبات جاءت على حساب دولة الأحواز العربية ولصالح ضمها إلى كيان يقوده الفرس باسم (إيران) للتصدي للطموح الروسي التاريخي بالشيوعية أو غيرها بهدف الوصول إلى المياه الدافئة (الخليج العربي والمحيط الهندي “بحر العرب”)، لكن ذلك لم يطمس قضية العرب في إيران، فما زالت حية وتتجدد.

تبلغ مساحة الأحواز حسب تقسيمات المحافظات الإيرانية 372 ألف كم مربع أي نحو 17 ضعف مساحة فلسطين المحتلة، وتسمى الأحواز بـ عربستان أو (خوزستان) أو عرب الهولة، وانتشر اسم (الأهواز) لأن الفرس لا ينطقون حرف الحاء العربي، وهي من تسع محافظات كبيرة هي: الفلاحية، المحمرة، عبادان، الحويزة، الخفاجية، البسيتين، معشور، الخلفية وتستر. ويتجاوز عدد سكانها الـ 10 ملايين نسمة يصيبون بالرعب الجموح الحالي للدولة الإيرانية ناحية (الفرسنة) باعتبار مكامن القوة الثقيلة التي يستندون فيها إلى أمة عظيمة ليس بمقدور الفرس مواجهتها، فضلا عن أن أرض الأحواز تجعل من الخليج العربي بحيرة عربية خالصة، فتعود (الهضبة الفارسية) إلى حالها كوطن (حضارة) عزلة منكفئة بلا دور أو أثر.

يضاف إلى هذا كله أن ثروات إيران التي تتمتع بها مصدرها الأحواز سواء النفط أو الغاز في مياه الخليج، كما أن جانبا مهما من الثروة المائية الجارية أو الجوفية موجود في الأحواز التي تتشارك مع العراق في شط العرب، ويجري في سهوبها نهر كارون، وتحتوي على أهوار طبيعية غنية بالأسماك والطيور والنباتات النادرة. إن محاولات فرسنة الأحواز الخائبة تقدم أعظم اختصار للمسألة، فالعائلات الفارسية التي جرى توطينها في المحمرة استعربت.. وهذا يؤشر على مصير الفرس في هذا الصراع فيما لو استمروا على ركبوا عنادهم، ولم يعترفوا بحقوق العرب المشروعة في الأحواز.

وأختم: إن التدخل يجلب التدخل، وسياسات التحريض هنا وهناك لا بد أنها ستُقابل بالمثل، ومن كان بيته من قش فلا يرجمن بيوت الصخر بالنار!.

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.