بمناسبة مرور 5 سنوات على الربيع العربي، وضمن لقاءات لوموند ديبلوماتيك (الطبعة العربية)، بالتعاون مع مؤسسة روزا لوكسبورغ، أقيمت في 27-28-29 مايو 2016، في تونس ندوة تحت عنوان: 5 سنوات على ربيع 2011، تحديات، مهام وآليات عمل اليسار العربي، قدم خلالها أحمد الديين “وصفة” لاستعادة اليسار العربي دوره المفقود، جاء فيها:
بدءاً لابد من التنبيه إلى أنّ ما شهدته المنطقة العربية في 2011 لم تكن مجرد أحداث دراماتيكية جرت وانقضت، أو أنها انتفاضات عابرة وثورات مغدورة، وإنما هناك صيرورة ثورية وعملية تاريخية اجتماعية وسياسية أخذت بالتشكّل في معظم البلاد العربية وانطلقت ولا تزال مستمرة، وبالتالي فإنّه من الخطأ الحديث عن مساهمة اليسار فيها كما لو أنها كانت فرصة ضائعة.
وكذلك من المهم تفحّص الاستنتاج السائد حول الطابع العفوي لهذه الانتفاضات والثورات، الذي لا شك فيه خصوصاً في ظل عدم وضوح البدائل وغياب أو ضعف دور الأحزاب السياسية في قيادتها، وتحديداً الأحزاب اليسارية، ولكن علينا الانتباه إلى أنّ الطابع العفوي للانتفاضات والثورات ليس أمراً مقتصراً على الانتفاضات والثورات التي شهدتها البلاد العربية وحدها، وإنما هو طابع عام لمعظم الانتفاضات والثورات، فعلى سبيل المثال: ألم تكن ثورة 1905 في روسيا القيصرية ثورة عفوية، وكذلك ثورة فبراير/ شباط 1917، بينما الأمر مختلف في حالة ثورة أكتوبر 1917 بقيادة البلاشفة، وبالتالي فإنّ كون الانتفاضة أو الثورة عفوية ليس نقيصة، بل لعلّ العفوية تعبير موضوعي عن الانفجار الاجتماعي عند تراكم التناقضات واحتدام الصراع، وهو وضع يمكن استشرافه، عندما تتوافر الشروط المحددة للوضع الثوري المتصلة بعدم قدرة الحاكمين على الحكم بالوسائل السابقة التي اعتادوها؛ وعدم قبول المحكومين أن يُحكَموا مثلما كانوا يُحكَمون؛ والنشاط المتصاعد والمتسارع لحركة الجماهير، ولكن مثل هذا الاستشراف المهم والمسبق للوضع الثوري ليس كافياً لتولي هذا الحزب أو غيره موقع القيادة أو التأثير في مسار الانتفاضة أو الثورة، ما لم يكن هذا الحزب، ونقصد هنا تحديداً الحزب اليساري ممتلكاً القدرة السياسية؛ والكفاءة التنظيمية؛ والمبادرة النضالية؛ والصلة الحيّة مع حركة الجماهير.
وبالتأكيد فإنّ غالبية قوى اليسار العربي في أحداث انتفاضات وثورات 2011 لم تكن تمتلك هذه المتطلبات، ناهيك عن أنها لم تتمكن من استشراف حركة الواقع.. بينما تكشف الخبرة التاريخية في المقابل أنّه في حالتي وثبة كانون ثاني (يناير) 1948 في العراق خلال العهد الملكي، وثورة أكتوبر (تشرين أول) 1964 في السودان، التي أطاحت ديكتاتورية عبود العسكرية فقد كان الحزبان الشيوعيان العراقي والسوداني في مواقع صدارة المشهد، لما كانا يمتلكانه من متطلبات سياسية وتنظيمية وكفاحية وصلات حيّة مع الجماهير الشعبية، على خلاف ما آل إليه حال اليسار العربي في 2011.
ولعلّ هذا التراجع في دور اليسار العربي يعود من جهة إلى ما تعرّض له من قمع متواصل وتهميش مستمر، إلا أنّه لا يمكن من جهة أخرى تجاهل وجود الاختلالات البنيوية في فكر معظم قوى اليسار العربي وفي سياساته وتنظيماته وانقطاع صلته الحية مع الجماهير الشعبية، وبالتالي فقدانه قواعده الاجتماعية، ذلك أنّ معظم الأحزاب اليسارية العربية عانى ولا يزال بعضها يعاني من وهم افتراض الدور القيادي للبرجوازية في مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية، كما أنّ معظم قوى اليسار العربي لم يطرح قضية السلطة بصورة جدية، وبعضها الآخر أصبح ليبرالياً أكثر مما هو يساري، وهناك مَنْ استسلم للأمر الواقع وتجاهل حركة الواقع وتناقضاته، ولذلك لم يكن مستغرباً أن تكون غالبية قوى اليسار العربي قوى هامشية، بما في ذلك في بلدان كانت فيه بعض هذه القوى خلال فترات تاريخية معينة أحزاباً جماهيرية، بحيث لم يبق سوى الإرث، وهذا ما يفسر الغياب أو ضعف الدور ومحدودية التأثير في انتفاضات وثورات 2011.
ولئن كان الطابع العفوي للثورات والانتفاضات في2011، وضعف دور اليسار قد أفسحا المجال واسعاً أمام قوى الثورة المضادة والدوائر الإمبريالية والصهيونية والأنظمة والقوى الرجعية العربية للالتفاف عليها، وتخريب بعضها وتشويه طبيعة الصراع الدائر في بعض البلدان والمجتمعات العربية وتحويله إلى صراع طائفي معدوم الأفق أو حرب أهلية مدمرة، أو فتحا الأبواب على مصاريعها أمام قوى الإسلام السياسي، وفي مقدمتها الأحزاب والحركات المنتمية إلى جماعة الإخوان المسلمين أو المنحدرة منها، وخصوصاً في تونس ومصر، لحصد النتائج، خصوصاً الانتخابية، كونها الأحزاب الأكثر تأهيلاً سياسياً وتنظيمياً وصلة بحركة الناس، وإن كانت هذه الصلة نفعية، مع ملاحظة مفارقة أنّ الإخوان المسلمين في مصر على سبيل المثال لم يساهموا في ثورة 25 يناير خلال الأيام الأولى من انطلاقتها، ولكنهم بالتأكيد حصدوا ثمارها، بفعل ميزان القوى وتأهلهم لذلك، ما جعل الشعوب، بل حتى اليسار يواجهان ثنائية الفلول أو الإسلام السياسي، بينما عجز معظم اليسار العربي عن طرح نفسه كبديل أو خيار ثالث!
إلا أنه مع ذلك كله، فإنّ الانتفاضات الشعبية والثورات التي بدأت في 2011 كانت ولا تزال تمثل دليلاً حياً على رفض الشعوب العربية لأنظمة الاستبداد والفساد والتبعية وعزمها على خوض معركتها المشتركة من أجل التغيير الديمقراطي والعدالة الاجتماعية، كما أنّ هذه الانتفاضات والثورات شاهد ملموس على ما تمتلكه هذه الشعوب العربية من قدرات وطاقات على إحداث التغيير، حيث انفتح منذ العام 2011 الأفق أمام مرحلة جديدة من التغيير الثوري وأمام نمو حراكات شعبية واحتجاجات اجتماعية وسياسية وصراع طبقي قابل للانفجار، وأمام خيارات للتغيير لا يمكن أن تنحصر في نطاق الإصلاحات الجزئية، ولعلّ هذا تحديداً ما يفرض على اليسار العربي الاستعداد وتأهيل الذات للمساهمة فيه، بحيث لا يبقى اليسار في الهامش من دون فعل جدي أو دور مؤثر.
إنّ مثل هذا الفعل والدور لا يمكن أن يتحققا ما لم تستعد قوى اليسار العربي الروح النضالية وتنتهج الخط السياسي الثوري، اللذين افتقدتهما بعض هذه القوى، إن لم يكن معظمها… كما يتطلب هذا من قوى اليسار العربي الالتحام بالجماهير الشعبية، التي انقطعت عنها بعض قوى اليسار، بل معظمها… إلى جانب التخلي عن كثير من الأوهام التي انساق بعض اليسار العربي، أو معظمه وراءها حول مواقف بعض أنظمة الحكم من دون النظر إلى طبيعتها الطبقية، وكذلك الأوهام حول الدور الرئيسي لما يسمى البرجوازية الوطنية في مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية، وهو الدور الذي افتقدته هذه البرجوازية إلى غير رجعة، ومع ذلك لا يزال البعض من قوى اليسار العربي متعلقاً بأهداب هذا الوهم… وكذلك من الضرورة بمكان أن تتجنب القوى اليسارية والتقدمية العربية الالتحاق بالأنظمة الحاكمة تحت دعاوى الممانعة أو مواجهة القوى الدينية، وألا تتجاهل الطبيعة الطبقية لهذه الأنظمة ونزعتها غير الديمقراطية.
ولهذا فإنّ إعادة بناء القوى اليسارية والتقدمية لتكون قادرة على القيام بدورها الوظيفي هو التحدي الأساسي أمامها بدلاً من التحسر على ما يسميه البعض”اختطاف قوى الإسلام السياسي لهذه الثورات والانتفاضات الشعبية، أو التحسر على عودة قوى الثورة المضادة إلى مواقعها في أنظمة الحكم بعد تبديل شخوص الرؤساء، وأحياناً المراهنة عليها والاصطفاف معها تحت ذريعة مواجهة قوى الإسلام السياسي، فيما المطلوب أن يؤهل اليسار نفسه لأن يكون البديل أو الخيار الثالث..على قوى اليسار تجديد نفسها إن أرادت موقعاً ومكانة وتأثيراً.


أضف تعليق