آراؤهم

الإسلاميون في البرلمان والشعب في الميدان!

دخلت الانتخابات المصرية مرحلتها “الثانية”، ولازال استغلال الدين هو السمة المميزة لحملات الدعاية فالجماعات والتيارات الدينية ((إسلامية مدعومة من بعض شيوخ الفضائيات أو مسيحية مدعومة من الكنيسة)) مثلهم كمثل المعاق الذي يستغل إعاقته لـ استدرار تعاطف وشفقة الآخرين بغرض التسول!! هذا هو حال التيارات الدينية في الانتخابات المصرية، استغلت الدين في تسول أصوات الناخبين، وكسب تعاطفهم دون مراعاة أن مثل هذه الشعارات و السلوكيات تثير النعرة الطائفية وتفتت وحدة الوطن.
والمهتم بالشأن المصري والمتابع لمجريات الأحداث يستطيع تفسير نجاح التيارات الدينية في حصد العديد من مقاعد البرلمان، فحصولهم علي هذه المقاعد ليس بسبب تكامل برامجهم بما يلبي مطالب الجماهير أو لقربهم من الشارع أو لاقتناع المواطنين بأفكارهم، ولكن هذا الفوز يرجع إلى امتلاكهم سلاح المال واستغلال الدين و دقة التنظيم . نجاحهم ليس بسبب قوتهم ولكن بسبب ضعف الاحزاب والقوي السياسية الاخري وانعدام المنافس الحقيقي في ظل حالة التشتت والتخبط التي تعيشها جميع القوي السياسية والحزبية التي استهلكت قوتها في الاحتجاجات والمظاهرات والتناحر فيما بينها دون الانتباه الي ان الوقت حان و ازفت ازفة الانتخابات التي تتطلب حسن الاعداد والترتيب !!
في الوقت الذي تركت فيه التيارات الدينية الميدان ومطالب الثورة وركزت في الإعداد والتنظيم والتخطيط لكيفية السيطرة علي البرلمان والحصول علي الأغلبية المطلقة! لذلك جاء نجاحهم نتيجة حتمية لانعدام البدائل أمام المواطن الذي وجد نفسه بين خيارين، إما انتخاب التيارات الدينية أو انتخاب الفلول، فكلا المعسكرين ((تيارات دينية… أو….فلول)) استطاعوا استغلال الفرصة وترتيب الأوراق، المعسكر الأول باستغلال الدين والمعسكر الآخر باستغلال خبراته الانتخابية! في ظل تواجد خافت لبعض الأحزاب التي تعبر عن الثورة وعن الوسطية، التي دخلت الانتخابات على استحياء تعاني من قلة الخبرة وضعف الإمكانيات ومصادر التمويل؟!!
وكلا المعسكرين نجح في استغلال السذاجة السياسية، التي يعاني منها المواطن البسيط؛ فالمواطن المصري مركز تفكيره في قلبه! وتتحكم في أفعاله وقراراته وعاطفته! كنا نتمني أن يعبر البرلمان القادم عن الثورة وإن يكون لسان حال كل المواطنين بمختلف انتماءاتهم الدينية والحزبية والسياسية. كنا نأمل في برلمان ثوري حقيقي يعبر عن كل الأفكار يحتوي كل الآراء ومختلف الاتجاهات؛ ليكون صورة حقيقية للديمقراطية وإثراء الحياة السياسية، كنا نتمني أن يكون نجاح هذه التيارات ثمرة تم قطفها بعد منافسة حقيقية لا كنجاح التلميذ الذي تفوق علي فصله…. فقط؛ لأن لا يوجد في الفصل سواه؟!
وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع فكر التيارات الدينية ورغبتهم الجارفة والجامحة لاقتناص السلطة، بدأ من النقابات مرورًا بالبرلمان…. حتي رئاسة الجمهورية؟!! وبغض النظر عن استغلالهم للدين في تحقيق أهدافهم!! يجب أن تحترم جميع القوى السياسية والمعارضين نتائج الصناديق، وعلى الشعب تحمل تبعات اختياره، وعلي هذه التيارات تطبيق الحرية والعدالة بمفهومها الحقيقي لا من منظورهم. وأن يكونوا شركاء في الوطن لا أوصياء عليه!!
فلا داعي للقلق من فوز التيارات الدينية، والسيطرة علي الحياة السياسية والتشريعية في مصر، فإن هم حصلوا علي حصانة البرلمان؟! فإن الشعب تحصن بقوة الميدان! وحصل علي التطعيمات اللازمة ضد فيروس الخوف وبكتيريا الصمت! لذا يجب منح هذه التيارات فرصة، ولتكن 6 أشهر يتم بعدها تقيم أدائهم، فإن أحسنوا وأثبتوا كفاءة في إدارة الأمور وحل الأزمات ومنح الحقوق والمحافظة على كرامة المواطن، بغض النظر عن ديانتة وانتمائه السياسي. وتم تحقيق العدالة والحرية بمفهومها المتفق عليه في القوانين الدولية والأعراف العالمية. وبما يتمشي وطبيعة المجتمع المصري، حينها يكون الشعب عونًا لهم يعضدهم ويدعمهم من أجل بناء مستقبل مصر. وإن هم تجبروا و أساءوا استخدام السلطة، وجعلوا من مصر نموذجًا للتزمت والعنصرية، سيتحول الشعب حينها إلى طوفان يقتلعهم من الحياة السياسية والعامة، كما تقتلع الأشجار من جذورها.
إذن، المطلوب حاليًا من هذه التيارات التعقل وحسن تدبر الأمر والاهتمام بالقضايا الأساسية، وترك الأمور الفرعية والجدل العقيم حول قضايا هامشية، مثل منع المرأة عن العمل وزواج الرجل من أربعة نساء ومنع روايات نجيب محفوظ، فليس بمنع الروايات وتعدد الزوجات سيتم حل مشكلات مصر؛ فالمواطن العادي لا يهتم لمثل هذه الأمور فقضيته الأهم والأكثر إلحاحًا تتمثل في توفير رغيف خبز صالح وكوب ماء نظيف وتعليم حقيقية ورعاية صحية وفرص عمل ودخل مناسب و أن يشعر بكرامته وآدميته في وطن يمنح الحقوق قبل أن يطالب بالواجبات.
وعلي القوى السياسية الصبر والهدوء وعدم إثارة الأزمات وبث الرعب والتخويف من التيارات الدينية ومنحهم فرصة للعمل أولا ثم تقيم ادائهم. فلا داعي للإعتراض لمجرد الإعتراض والثورة لمجرد الثورة دون ان تكون هناك اسباب واضحة . وليتم تقيمهم بناء علي اعمالهم وليس بناء علي تصريحاتهم حتي يكون لدي الشعب حجة قوية ان ارادوا محاسبة هذه التيارات.
الشعب وصل الي مرحلة البلوغ والنضوج بعد ان تعدي سن الرشد يوم 25يناير واصبح مسؤول عن افعاله و تقرير مصيره وليس من حق اي جماعة او تيار او حزب ان يفرض عليه الوصايا . فقد انتخب الشعب التيارات الدينية؛ للمساهمة في إدارة البلاد لا أن يكونوا سيوفًا على رقاب العباد متخذين من الدين ستارًا. ومن التذمت منهجًا وإطارًا.
فمصر بحاجة إلى تطبيق روح الإسلام بتعليماته السمحة وتطبيق الشرع بما يتفق وروح العصر وظروف الدولة، فعلى سبيل المثال قبل أن تطالب هذه التيارات بتطبيق الحدود كحد السرقة، يجب أن توفر الدولة وولي الأمر للمواطن العمل المناسب والحياة الكريمة وظروف معيشية آدمية وبعدها يطبق الحد الشرعي، فلتقوم هذه الجماعات أولا بتوفير البدائل والحلول قبل أن تطالب بتطبيق الحدود!
نأمل أن تقوم هذه التيارات بواجبها في بناء وطن ذي نسيج واحد لا مكان فيه للعنصرية الدينية أو الفكرية وطن ينصهر بداخله الجميع ويكون لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات
وعلي هذه التيارات توخي الحذر والعمل علي ترك انطباع إيجابي لدى المجتمع الدولى وأن يظهروا بصورة مشرفة، تعبر عن سماحة الإسلام و صورته الحقيقية بعيدًا عن الصور المنفرة التي ينقلها أصحاب الفكر الجامد المتزمّت والمتشدد، فالإسلام دين السماحة والرحمة والعدل والحرية والعمل والمشورة والتراحم… لا دين إطلاق اللحى وتقصير الجلباب وتعدد الزوجات وارتداء النقاب ومنع عمل النساء!! ومنع السياحة وتكفير الكتاب وحجب الآراء..!!
اللهم هيئ لمصر الحبيبة أمر رشد وولي عليها خيار رجالها، واجعلها بلدًا آمنًا مطمئنًا، سخاءً، رخاءً، وسائر بلاد المسلمين. حفظ الله مصر وحفظ شعبها العظيم.

أوعاد الدسوقي
كاتبة وإعلامية
awaad99@gmail.com

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.