محليات

((سبر)) تنشر مقال جاسم السعدون كتبه قبل 22 عاماً
“مفيش فايدة”

حالة الجمود التي تعيشها الدولة لا يبدو أنها ستتغير إلا بالمزيد منها.. هكذا كان رأي المشخصين للحالة الكويتية منذ ما قبل كارثة الثاني من أغسطس 1990، إلا إذا تخلت السلطة السياسية عن أسلوب الهيمنة على إدارة البلاد وعلى مقدراتها .. وفتحت المجال رحباً للمشاركة الشعبية في هذه الإدارة.. وحينئذ فإن الامر سيدو مختلفاً .
 
غير أن ذلك لم يتحقق إلا على نطاق ضيق، أدرك من خلاله الخبير الاقتصادي جاسم السعدون قبل أكثر من عشرين عاماً أننا مقبلون على كارثة ربما تفوق في فداحتها كارثة الغزو.. (بدأنا نرى ملامحها في الوقت الراهن).
 
في الحادي والثلاثين من يوليو عام 1991 كتب السعدون مقالاً مطولاً عنوانه (مفيش فايدة) .. وهي عبارة قالها السياسي المصري سعد زغلول مخاطباً بها زوجته، وفيها أعلن زغلول بشكل ضمني  حالة ضياع الدولة.
 
والمقال أقرب إلى الدراسة التحليلية للغزو العراقي ولتداعياته ومن ثم تبعاته بعد ذلك، شخص السعدون من خلاله  الداء ووصف الدواء، ولكن ولظروف تتعلق بغياب حرية الرأي بفعل الرقابة المسبقة على الصحف، ظهر المقال مشوهاً في جريدة القبس، فقد وضعته رقابة وزارة الإعلام بين فكي مقصها، وأجهزت عليه بعد أن نالت من الكثير من فقراته وجعلت منه ليس جثة هامدة وحسب، بل جثة بلا ملامح، حسب وصف صاحب المقال نفسه، ما دفعه إلى أن يرسل كتابا إلى وزير الإعلام آنذاك الدكتور بدر اليعقوب يحذره وينذره من عواقب ما أقدم عليه.
 
والمقال بعد مرور 22 عاماً على كتابته يصلح لأن يكون حديثاًعن هذه المرحلة.. وعن حالة الضياع التي يبدو أن الدولة تسير نحوها ببطء.
 
ويبدو من سياق المقال أن شيئاً في الكويت لم يتغير، وأن النهج الحكومي هو ذاته، وحالة الشلل قائمة، وعقلية الإدارة  ثابتة على جمودها.
 
سبر رأت أن تضع المقال (الذي بلغ من العمر 22 عاما) بين يدي قرائها.. تنشره كما كتبه صاحبه (جاسم السعدون) قبل أن تمتد إليه يد الرقابة.. كما تنشر نص الخطاب الذي أرسله السعدون إلى الوزير د.بدر اليعقوب.. والتعليق لكم:
 
” مفيش فايدة “
التفت سعد زغلول باشا الى زوجته صفية هانم وقال ” مفيش فايدة” ، وهنا تختلف الروايات هل قالها وهو على فراش المرض أم في سياق عادي وذلك لا يهمنا، ويروى أيضا أن عبدالمحسن السعدون رئيس الوزراء العراقي الأسبق قال ما معناه ” الشعب يريد والانجليز لا يريدون” وأخرج مسدسه وأطلق النار على رأسه أي انتحر . وكانت تلك هي أيضا ” مفيش فايدة ” قيلت بكل اللغات واللهجات ولمبررات مختلفة وأدت الى استقالة الألماني، تنازل الانجليزي، اقالة الأمريكي وانتحار الياباني . ودخلت الكويت أزمات وذلك في الطريق الى الكارثة التي أفقدتنا البلد، ولم يقل أي من المسؤولين ” مفيش فايدة ” حتى باللهجة والطريقة المصرية المسالمة ، فلا زال الكل فيهم الخير والبركة وفيهم كل الفائدة، بل من شواهد تركيز السلطة يبدو أن فائدتهم قد زادت، وذلك لا يتفق والمنطق. 
ولكن الأخطر من ذلك هو عندما يسود انطباع عام لدي الناس، وأعني غالبية ممن يتمتعون بحد أدنى من الوعي بأننا قد بلغنا مرحلة الـ “مفيش فايدة ” . وهنا قد يستسلم الناس لروح انهزامية أو معنوية هابطة وينحصر تفكيرهم ما بين الهروب من البلد أو الدعوة لاقتسامها قبل ذلك، وهي “مفيش فايدة” بالطريقة المصرية المسالمة. وبين النزوع الى الانحراف الاجتماعي والسياسي بشتى أنواعه والذي قد يبدأ بشجارات أو سرقات مسلحة، وينتهي بشكل من أشكال الصدام السياسي المسلح وهي ” مفيش فايدة” للبلد كلها ولكن بالطريقة العراقية العنيفة . وأظن أن هناك اتفاقا مع هذا التحليل الشخصي ورأي معظم المحللين الغربيين من اعلاميين ودبلوماسيين . وعلى أي الأحوال، قد يكون هناك اختلاف على درجة الحدة في مسار الأحداث السلبي، ولكن لا أعتقد بأن هناك خلافا على اتجاه المسار . واذا كان المراقبون الغربيون ينظرون للأمور من ناحية اختبار القدرة العقلية على التنبؤ بمسار الأحداث، فاننا ننظر اليها بحكم من يده ورأسه بالنار ولا خيار لنا سوى اسقاط هذا السيناريو أو الحد بشكل كبير من تكاليفه . وهذا يتطلب أن نواجه بعضنا بعنف الصدق والأمانة، ولا يترك لنا سوى خيار واحد وهو أن ننجح.
وحتى يصبح للكلام معنى لا بد من تحديد العناصر المؤثرة في مسارنا واستعراض مواقفها السابقة والحاضرة، ثم اسقاط أثر هذه الأدوار والمواقف على مستقبلنا . وأعتقد أن من تتحكم ويتحكم في هذا المسار ثلاثة عناصر لو رتبناها حسب أولوية تأثيرها ستكون، الحكومة أو السلطة السياسية وبفارق كبير عن الآخرين والقوى السياسية ثم مجموع الناس بحد أدنى من الوعي.
فلقد ادعت السلطة السياسية حقها في الارادة المطلقة بدعوى رشدها وقدرتها على التعامل مع المتغيرات والظروف بشكل أفضل، وبما يمكن أن يحفظ للبلد أمنها وأمانها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري . ولو تركنا الماضي حتى لا يفقد التفصيل لخلاصتنا معناها، نستطيع القول دون خطأ جوهري، أن تجربتنا الأخيرة قد أثبتت دون شك أن الحكومة أو السلطة السياسية، لم تكن موفقة في ادارة الفترات الثلاث، ما قبل الغزو وفترة الاحتلال وما أعقبها . على العكس من ذلك ساءت الأحوال الاقتصادية والأمنية وانتهت بالكارثة وكانت تلك مبررات قرار الحكومة بالانفراد بالسلطة. أخطأت الحكومة في سياستها النفطية وأثارت مجنونا لا يعرف سوى منطق العنف وأثارت جيرانا آخرين وشملت تلك الاثارة حتى الرياضة، وأخطأت الحكومة تقدير تطور الأحداث وسقطت ضحية المفاجأة . ولم تحسن الحكومة المواجهة العسكرية ولم تحسن الانسحاب المنظم الذي يحفظ للعسكريين اعتدادهم بالذات ولم تحسب مخزون أسلحتها ولم تحسب احتياطياتها المالية بالداخل ولا السجل المدني ولا ملفات الجنسية والجوازات … الخ . فلا كانت مواجهة ولا كان اجتنابا لأكبر قدر من التكاليف وهذا بالتأكيد ليس بقرار وانما تداعيات الأمر الواقع . ولم تكن موافقة منفردة في ادارة الأزمة فلم تكن تقديراتها للوقت سليمة، ولم تحسن التوجه الاعلامي سواء للداخل أو في الساحة العربية أو تجاه العالم، ولم تحسن التعامل مع استثماراتها الخارجية، ولم تحسن الاستعداد العسكري للتحرير، ولم تحسن التحوط في مواجهة احتمالات الكارثة النفطية، ولم تحسن التخطيط والاستعداد لمرحلة ما بعد التحرير .
 ولم تحسن الحكومة مواجهة احتياجات ما بعد التحرير وكانت النتائج معاكسة تماما لوعودها بالاستعداد لمواجهة كافة الظروف والمتغيرات بافتراض ما سمي بسيناريو الصفر رغم أننا بدأنا بسيناريو لأكثر من 50% باستثناء قطاع النفط . وحتى الأصل الوحيد الذي كسب احترام العالم ودعمه وهو تماسك الداخل وعصيانه المدني وفشل المحتل بإيجاد متعاون واحد، وتماسك الخارج في مؤتمر جدة، حتى هذا الأصل الوحيد الظاهر بدأ يفقد تماسكه لأن الحكومة لم تحسن الرسملة عليه.
وخلاصة ما تقدم أنه خلق شكا كبيرا في قدرة الحكومة على الحفاظ على تماسك الدولة فهي ـ وهذا وضعها – لم تستطع أن تجمع السلاح ولا أن تقنع الناس بعدم الهروب من الدينار ولا أن تقنع الناس بحتمية الأمن والمان . وكان موقفها التفاوضي في الداخل ضعيفا أفقدها الكثير من الهيبة المقرونة بالاحترام وليس الخوف، وأفقدها قدرتها التفاوضية عند مناقشة قضايا الأمن الاقليمي حتى عند تقرير الاعلانات والمساعدات. وأظنها في طريقها لفرض الهيبة عن طريق العنف قد أفقدت البلد رصيد التعاطف الكبير الذي اكتسبته أثناء فترة الاحتلال وعرض عنيف ومآسي ذلك الاحتلال . وأصبح سجلنا في مجال الحريات واحترام حقوق الانسان مشبوها حتى دفع مسؤولا كويتيا كبيرا في احدى منظمات الأمم المتحدة لطلب تأجيل عرض مأساة أسرانا على الدول الخمس الكبرى لشكه في أننا سنكسب تعاطفهم.
وبعض النظر عن موقفنا السياسية وحتى مشاعرنا، تبقى الحكومة ركنا هاما من أركان السلطة ولا بد لمصلحة الجميع أن تتمتع بالهيبة المقرونة بالاحترام حتى لا يفرط النظام العام . وتلك خلاصة مهمة سنعود لها فيما بعد عندنا تكتمل معالم الصورة التي بلغتها البلد في وقتنا الحاضر .
والركن أو العنصر الآخر المهم ، وهو القوى السياسية بشتى اجتهاداتها وتوجهاتها ودورها أساسي في قيادة البلد الى الأمان ولو كان نسبيا لأنها المؤهلة بالتقاط عنان القيادة عندما تعجز الحكومة . وبالرغم من اعتقادي بأن مواقف القوى السياسية كانت مشرفة ولعلها حالة فريدة ومتقدمة ولم ولن تتكرر في دول العالم الثالث . وأعني مواقفها الصلبة ضد الاحتلال والواضحة وعزوفها عن القفز على السلطان أو حتى مجرد التعاون بما في ذلك الأقرب ايديولوجيا للمحتل، بل حتى أنها تسلمت وبكفاية ادارة البلد خلال تلك الحقبة بما خفف كثيرا من معاناة الناس . الآ أنها هي الأخرى تتعرض لمشكلة حقيقية عادة ما تعقب الاحداث الجسام كما حدث عام 1967، فهده القوى فقدت ركائز خطابها الاعلامي السياسي للتواصل مع الناس وقيادتهم في هذه الظروف الحرجة.
وركائز الخطاب السياسي الاعلامي لتلك القوى مجتمعة ست، ويمكن تلخيصها بالتالي:-
أولا : لقوى اليسار سقط النموذج السوفيتيي قبل أكثر من عامين وأصبحت تلك القوى في مشكلة منذ ذلك التاريخ ولا شك أن لتلك القوى امتدادا ولو فكريا بالداخل .
ثانيا : كانت ركيزة أساسية في الخطاب السياسي الاعلامي مناقشة السياسة الحكومية وتحديد نواحي القصور فيها والكلام على حلول وبدائل لها وكان ذلك يستقطب الناس من داخل وخارج تلك القوى . وهذه الركيزة لم تعد موجودة فلم يعد للكثير شك في قصور الحكومة وأصبح الناس تطلب برامج عملية لمواجهة ذلك القصور وخلال مدد محددة وليس فقط شرحه وتحليله . وهذا يعيني تجاوز الناس في مطالبهم للإصلاح لتلك التي تعرضها القوى السياسة وهذا أضعف ركيزة أساسية مستخدمة من كل القوى السياسية دون استثناء.
ثالثا : كانت كل القوى دون استثناء تتكلم على شرور المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة وأطماعه، وهذا لم يعد يكفي بعد الزلزال وربما أول مرة – وذلك جديد حتى على الولايات المتحدة – يكون هناك ذلك الترحيب الشعبي – وليس الرسمي – لتواجدهم ، ويحكي الناس عن مدى التزامهم بالقيم والمبادئ . وهذا أيضا اسقط ركيزة أساسية وجماعية في الخطاب السياسي الاعلامي للقوى السياسية.
رابعا : تنادي القوى القومية في منهجيتها الى الامتداد القومي العربي في السابق برؤى سياسية بحته، ومؤخرا كحل لمعضلة التنمية القطرية. ورغم ما فعل صدام بكل الرموز القومية في العراق وتصفياتهم على مستوى الوطن العربي بما في ذلك عناصر جناحه في حزب البعث  إلا أن عتاه في الدعوة القومية وأحزاب في نفس الاتجاه اتخذت مواقف انحيازية لا يمكن تبريرها أو تفسيرها بقليل من اعمال قوى العقل . كما أن صدام حسين استخدم دعاوي قومية لتبرير محاولة سرقة الكويت منها الوحدة ومنها عدالة توزيع الثروة العربية . وهذا أسقط ركيزة في الخطاب السياسي الاعلامي للقوى القومية المحلية أو أضعفها بشكل كبير على أقل تقدير.
خامسا : اكتسبت القوى الاسلامية زخما نتيجة لتداعيات القوى القومية بعد عام 1967، وكان يفترض أن تحكمها مبادئ وقيم اسلامية في قياسها لمواقفها . ولم تكن بطبيعة الحال تلك القيم والمبادئ صالحة للقبول بما فعله صدام حسين ولا هي تسمح بالسير تحت رايته . ولم يكن ماضي صدام الاسلامي ذلك الماضي المشرف ولم تكن كذلك علاقته بالقوى الاسلامية ولا بالمبادئ التي يؤمن بها، ترجح الانحياز اليه ناهيك عن مخالفة ما فعله بالكويت لكل تلك القيم . ومع ذلك اندفعت غالبية القوى الاسلامية وراءه وصدقت دعوته للجهاد بل ودعت دعوته للجهاد حتى أن بعضها ألف الأحاديث النبوية لصالحه . ويقول نص حديث كاذب منشور في جريدة اللواء بالأردن وبعض الصحف التونسية التالي :- ” اجتمع الفرنجة والمصريون على رجل اسمه صادم ولم يعد منهم أحد . قيل متى يا رسول الله … قال بين جمادي ورجب وسوف ترون العجب .” وهكذا تأثرت بشكل حاد ركيزة من ركائز الخطاب السياسي الاعلامي لقوى اسلامية محلية .
سادسا : كانت القضية الفلسطينية بصدق أو عدمه تجمّع العرب والمسلمون عليها، فمهما كانت خلافاتهم تنتهي عند ذكر القضية الفلسطينية . وكانت القوى السياسية تقيم المهرجانات السياسية وغير السياسية لدعم تلك القضية وكانت تمثل حجرا أساسيا في الخطاب السياسي الاعلامي . وبعد الموقف الهوج بتأييد مبدأ الاحتلال بالقوة من قبل معظم القيادات الفلسطينية، أصبح من الصعب جدا على القوى السياسية المحلية أن تضمن تلك القضية أولويات خطابها السياسي الاعلامي وهكذا، ففي أحلك الظروف ونحن بحاجة الى التماسك وبأن تأخذ قوة مخلصة زمام المبادرة بعد تأثر الحكومة بشكل حاد، وبينما كانت القوى السياسية هي المرشحة لدعم هذا التماسك لمصلحة الجميع بما في ذلك الحكومة، وجدت تلك القوى نفسها في موقف الدفاع وفي فترة تحتاج فيها الى اعادة صياغة خطابها الاعلامي السياسي . وكان نتيجة حتمية ذلك الفراغ الخطر الذي نشعر فيه والذي نرجو ألا يستمر لفترة طويلة حتى لا تنقلب الأمور على رؤوسنا جميعا.
أما العنصر الثالث وهو مجموع الناس والذي رأي كل آماله وأحلامه ومعتقداته تتداعى في ساعات قليلة . فقد ظل يعيش لفترة من الزمن في انتظار أن ينتشله أحد من ضياعه فوجد ضالته في البداية في قوات التحالف التي وعدت وأخرجت سيناريو كل شيء فيه معلن وحقيقي، ثم نفذت وعدها بعودته . هو لا زال مبهورا بما حدث، بفريق مختلف، وحيث يجب النظر الى الأمور من زاوية خلاف المصالح حتى مع من يفترض أنه صديق.
والمقارنة وانقلاب القيم والمفاهيم والتجربة الأليمة الماثلة دائما أمام العين بفقدان من نحب وما نملك، تحتاج الى حكمة وتحتاج الى رؤية واضحة، وقبل ذلك تحتاج الى قيادة تملك القدرة والهيبة . وذكرنا بإيجاز تجربة الناس مع الحكومة وذكرنا بإيجاز ضياع الركائز الأساسية لقدرة القوى السياسية على استقطاب مجموع الناس . وهكذا نجد بالاستعارة من تاريخنا القريب أن ” القياس قد ضاع ” فلم يعد هناك قبطان ولا قيادة في هذا البحر الهائج، الواقع الشديد الهيجان.
لذلك نجد أن ما هو حادث أخطر من عملية الغزو الخارجي والتي نجحت بوقت قياسي من اجتياح الأرض، ولكنها لم تسقط الانسان ولا تماسك الكيان، في حين أن عملية الضياع الحالي قد تؤدي الى عزيمة الانسان وتفكيك الداخل وهي العملية التي يصعب تخيل امكانية  لملمة الكيان بعدها . ولعل أهم ظواهرها تردد كثير من الناس عن العودة الى الكويت، ورغبة الكثير في السفر منها، والدعوة المحمومة الى اقتسام ثروتها والضغط على دينارها، والتوسع في الشراء والاستثمار خارجها وهذا هو التوجه السلمي . ولكن بوجود كل تلك الأسلحة وفقدان الهيبة هناك ظواهر أخرى متطرفة بعضها اجرامي وبعضها ولا شك سياسي . اذ في هذه الأجواء يسهل استقطاب كثير من البشر الى  العنف ووسائله ومسبباته ومتوافرة . ولعل أهم تلك المسببات كما ذكرت غياب القوى العاقلة والمسئولة عن سدة القيادة للمبررات المختلفة التي ذكرتها سالفا. ولعل تلك الفوضى المحتملة والمدمرة أحد الاحتمالات القوية لذك الفراغ الذي سببه الزلزال . ولعل النتائج المحتملة تفوق بكثير أي مكاسب آنية قد تحققها الحكومة أو القوى السياسية أو أنت أونا.
ولا أريد هنا أعلن وصايتي على الجميع فأنا قاصر حكمي حكمهم وحكم مجموع الناس مادام العمل لكل منا فرديا، ولكن لعل في بذل محاولة تلغي أو يقبل بعضها ما يساعد على جمعنا لتجنب ما هو أكبر من الغزو . لذلك سوف أتجرأ وأقترح على الحكومة أن تقوم بالتالي:-
1- اجراء تغيير جوهري في أفرادها مما يتناسب وحجم الكارثة والاحتمالات .
2- الدعوة الى انتخابات عامة بتاريخ أقرب من المعلن عنه واعلان نوايا صادقة بحياد الحكومة قولا وفعلا في تلك الانتخابات.
3- تكوين حكومة كارثة ثانية رديفة غير سياسية تهتم بتفاصيل كل ما يتعلق بالكارثة، وترك تسيير الأمور العادية للحكومة السياسية.
وسوف أتجرأ أيضا على القوى السياسية وأقترح عليها أن تقوم بالتالي:-
1- أن تعقد ندوات مفتوحة تراجع فيها مواقف الأطراف المرتبطة بها ايديولوجيا وتقويمها وتتخذ مواقف واضحة بشأنها.
2- أن تشكل فريقا بحثيا مهمته دراسة الكارثة ودراسة خطابها السياسي وتحديد أولويات لا يجب في هذه الظروف الاختلاف حولها.
3- التقاط بادرة الحكومة برغبتها في التغيير الجوهري والتعاون معها على الأساسيات الجوهرية والاختلاف المعلن والصحي على ما عدا ذلك حتى المرحلة التي نشعر فيها أننا حافظنا على تماسك الكيان الذي يحفظها مهما كانت مشاعرنا وتوجهاتنا تجاه بعضنا.
وبذلك قد نوحد القيادة، وبذلك قد نكسب بعض الوقت وبعض الهيبة الضرورية المقرونة بالاحترام/ وبذلك قد يتحول الشعور العام وخلاصته ” مفيش فايدة ” الى زرع بعض الأمل والتفاؤل. وفي الختام أرجو أن ينشر هذا المقال ليس لسبب شخصي، ولكن ولتعذر لي الحكومة والقوى السياسية ، شعوري بالرعب من المستقبل وما يمكن أن تقودنا اليه فترة الضياع تلك . وخشيتي ألا يتحقق هذا الأمل ونصبح … القبس وأنا نريد … والرقباء وما أكثرهم لا يريدون … وتنتحر المقالة .. أي ” مفيش فايدة ” بالطريقة العراقية.
                                                                               جاسم خالد السعدون 
                                                                                31 يوليو 1991
                                                     *  *  * 
التاريخ 5 أغسطس 1991                   الاشارة رقم : 27/91
السيد / وزير الاعلام الكويتي – المحترم
أ.د. / بدر جاسم اليعقوب 
تحية طيبة وبعد،
يعلم الله أنني لا أرغب في الاختلاف مع وأنني أحاول أن أخاطبك بحكم منصبك لا لشخصك، ويعلم الله بأنك لم تترك لي خيار سوى هذه الرسالة والاجراءات التي ستتبعها . وسأحاول قدر الامكان أن أتواصل معك بالمنطق وأن أتجنب الانفعال ما استطعت لعل ذلك يفتح طريقا لتفاهم أفضل ولمصلحتي ومصلحتك وصالح البلد .
وحتى يشاركنا قارئ الرسالة موضوعنا أقول بإيجاز هو الرقابة المتعسفة لوزارة الاعلام والتي بكل أسف تتبع توجيهاتك في تشديدها وتظن ذكاءان بأنك مع الزمن تجعل منها أمرا واقعها ، وانت الأستاذ الدكتور في علم القانون ممن يفترض فيه أن يقدر حرية البحث والباحث وسيادة القانون . وعلاقتي برقابة الحكومة علاقة قديمة لعل أهم معالمها منعي من نشر كتاب اسمه ” حتى لا يضيع القياس ” وفكرته لا تبتعد كثيرا عما حدث في الكويت اذ تحكي بالاستعارة من التاريخ القريب احتمالات الضياع . ولعل آخرها تلك المقالة التي شوهتها بقلمك والمعنونة ” مفيش فايدة ” استعارة لعبارة سعد زغلول الشهيرة والمرفقة مع هذه الرسالة . وقد كان حري بك من باب التظاهر بالحياد على الأقل، وتمثيل مجموع الناس، أن تشطب ولو كلمة واحدة فيما يتعلق بالقوى السياسية أو الشعب، ولكن يبدو أنك امعانا في تحقيق هدف ارضاء الرؤساء، نسيت ما عداه ولم تفعل، وانما أعملت مبضع قصاب في غرفة عمليات للآدميين واستأصلت جوهر ما يتعلق بالحكومة فقط، ولم يتحول المقال الى جثة فقط، ولكنها غير معروفة المعالم أيضا . واذا كنت قد تنازلت عن حقي في الدفاع عن كتابي لاعتبارات أعترف بخطئها الآن، فإنني أعدك وغيرك بأنني لن أتنازل عن تلك الحقوق بعد ما حل بنا، ولن أفعل في المستقبل.
وأود أن أبدأ رسالتي بنص المادة (36) في الدستور الكويتي والتي تمنحني حرية التعبير ونصها ” حرية الرأي والبحث العلمي مكفولة ، ولكل انسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول والكتابة أو غيرهما ، وذلك وفقا للشروط أو الأوضاع التي يبينها القانون “.
وأريد أن استعير التزاما ورد في كلمة الأمير في العشر الأواخر من رمضان الفائت والذي نصه – ” لقد عاش الكويتيون منذ القدم أجواء الحرية والتزموا الشورى ومارسوا الديمقراطية في اطار دستورنا الذي ارتضيناه ..”.
وأود أن أذكرك وأنت وزير الاعلام بأن تلفزيون الكويت قد عرض كادرا مساء يوم 2 أغسطس 1991 يكرر فيه عبارة المير المذكورة عالية مما يعني قناعتك فيها أيضا والتي يفترض أن تكون قناعة قول وفعل كما يتكرر في الأغاني.
ولكن الذي حدث أن تسلسل الرقابة في الاعلام بدءا من رقيب القبس وربما انتهاء على الأقل بك ودون سند دستوري أو قانوني أو حتى أدبي، قد فعلت ما ذكرت بمقالتي المذكورة والمكتوبة في 31 يوليو 1991 . فمن الناحية الدستورية القانونية حريتي في التعبير قد كفلها الدستور ولا قوة قانونية مهما كان مصدرها تمنعني من ممارسة هذا الحق . ومن الناحية الدبية الأخلاقية أثبتم في الحكومة بما لا يدع أي مجال للشك قصوركم – كما ذكرت في المقالة – على مواجهة ما قبل الكارثة وخلالها وما بعدها . واذ كان هناك من يحتاج الرقابة لابد وأن يكون تحتمل ضياع أخرى ولا يجب أن نسمح بها ، وهذا ملخص المقالة الممنوعة .
انني يا سيدي اينما ألتفت بعد الكارثة، أشعر بغصة سببها فقدان الكثير من الأعزاء بين شهيد ومفقود وأسير، وأشعر بأنك والحكومة مسؤولين مسؤولية مباشرة عنهم .. أنني أشعر اينما ألتفت بالبؤس الذي تقودون الناس اليه بسياستكم غير الراشدة والتي أدت الى هدر ثروات هؤلاء الناس البشرية والطبيعية . وأشعر بأنني أشارككم المسؤولية ليس لأنني شاركتكم صناعة القرار، ولكن لأنني تنازلت عن حقي ولم أفعل، وأرجو أن يسعفني العقل في ايجاد وسيلة للتفكير عن ذلك الذنب، ولعل المقالة المذكورة احدى المحاولات على الطريق.
ولا أرغب في الرسالة الأولى على الأقل أن أطيل عليك وأن أذكر الكثير مما يجب ذكره، ولكنني انصافا لك أذكر بأنك لست الأول الذي يتساقط على الطريق في سبيل منصب زائل، ولا أظنك ستكون الأخير . وأود أن أوجز في الاجراءات التي سوف تتبع هذه الرسالة وهي التالي:-
أولا : سوف أوزع نص هذه الرسالة ونص المقالة على الصحافة المحلية وغير المحلية حالا مقابل قبولك بمبدأ فرض الرقابة وقيامك شخصيا بتقطيع المقالة وبعثرة مكوناتها .
ثانيا : ما لم تنشر المقالة أو أستلم ردا مقنعا منك – والأخير لا أظنه سيحدث – وذلك خلال أيام ثلاث، سوف أحمل القضية للقضاء لعله يحسم أمري وأمرك فيها .
ثالثا : اذا مورست ضغوط في  أي اتجاه وشعرت في غياب التطبيق الكامل للدستور بأنني لن أنصف، فسوف أنشر رأيي بوسائلي والتي قد  تعتبرها غير قانونية – وهي بكل تأكيد قانونية – وعليك أن تأخذني للقضاء.
وأرجو ألا نصل الى تلك المرحلة، ولكن ثق بأن لا خيار لي الا أن أفعل ذلك بعد أن  عشنا الكارثة، ونتيجة رؤيتي الحتمية كارثة أكبر تلوح في الطريق بسبب ادارتكم . ولعل أحد المؤشرات البسيطة والظاهرة لعجزكم ذلك الرصاص الذي ملأ السماء فجر الثاني من أغسطس  رغم حملتكم لجمع السلاح، وظني بأن أقل من ربع من يملك السلاح فقط أطلق رصاص ذاك اليوم . ودعنا – وأنا هناك أرجوك – أن نتفاهم بحرية وبشكل حضاري، ونحاول معا ومع الآخرين العقلاء حماية البلد لعلنا ننجح في اعمارها ونجنبها حوارا غير حضاري ومؤلم قد يفرض علي وعليك وعلى كل عقلاء البلد، وتكون لغته غير لغة الكلام، وأدارته متوفرة كما عملت ورأيت وذلك ما لم نتمكن معا ومجتمعين سحبها بالاقناع .
                     ومهما تبلغ بنا النتائج
                                    لك مني التقدير والاحترام ، ، ،
                                                                                             جاسم خالد السعدون