كتاب سبر

الأموال المنهوبة والمنسية

ما الذى تغير فى مصر بعد انتخابات الرئاسة فى ملف الأموال المهرّبة إلى الخارج؟ الإجابة أنه لا شىء تغير، فنفس المطالبات بإعادة الأموال، التى بُحت أصواتنا بها فى أثناء الفترة الانتقالية ما زلنا ننادى بها.
 لكن الغريب فى أمر الأموال المهربة إلى الخارج أن الدول الأجنبية تبدو أحيانًا مهتمة بإعادة الأموال المهربة إليها أكثر من اهتمامنا نحن بإعادتها، وهو ما أشار إليه أحد المسؤولين من قبل بأنه لا توجد إرادة سياسية لاستعادة الأموال. 
 هذا الكلام لا يحتاج إلى مناسبة، فالحديث عن عودة الأموال المهربة إلى الخارج كان يجب أن يتقدم على الحديث عن القرض الذى طلبته الحكومة من الخارج، لكن المناسبة الأهم كان التقرير الذى أذاعته الـ«بى بى سى» حول الأموال المصرية المهربة إلى الخارج، وشارك فيه كثير من الخبراء والقانونيين من عدة عواصم عالمية، حيث أشار خبراء من البنك الدولى إلى أن حجم الأموال المصرية المهربة بلغت أكثر من 134 مليار دولار على مدى 30 عامًا، وكشفت «بى بى سى» عن مستندات حول كيفية استيلاء وتهريب كبار رجال الأعمال ورجال الحكومة بسرقة الأموال على مدى 30 عامًا هى مدة حكم الرئيس المخلوع حسنى مبارك، وأشار التقرير إلى أن الأصول المصرية عرفت طريقها إلى مناطق مثل الرياض والدوحة ودبى ولندن ومدريد وبنما وسويسرا، وتفاوتت ردود الفعل والإرادة السياسية من هذه الجهات فى المساعدة، وإن سويسرا مثال صارخ للاستجابة السياسية.
المدعى العام السويسرى مايكل لاوبر والمسؤول عن تجميد تلك الأموال المهربة قال فى التقرير إنه تم تجميد أكثر من 4 مليارات و458 مليون جنيه مصرى، وإن هذه الأموال تخضع للتحقيق، وإن هناك أكثر من 20 ضابط شرطة ومحققين ماليين لإسراع سير التحقيقات قدر المستطاع، أما مدير قسم القانون الدولى بوزارة الخارجية السويسرية والذى أصدر قرارًا بتجميد أرصدة رموز النظام السابق بعد تنحى مبارك بنصف الساعة، فقال إنه عند إعلان التنحى كانت القائمة جاهزة، وكانت تحتوى الأشخاص الذين يشتبه فى قيامهم بأعمال غير قانونية. وحول اتخاذ سويسرا هذه المبادرة، قال إن مصر يمكن أن تقوم بذلك بنفسها، لكن لا بد من التعاون بين الجهات ليتم إنجاز تلك التحقيقات.
 وكشف تقرير الـ«بى بى سى» عن أن بريطانيا لم تقم بإجراء التحريات أو المراجعات الأساسية حول أصول أصحاب تلك الملفات فى بريطانيا، حيث تم اكتشاف أنه لم يتم تجميد تلك الأصول، موضحًا أن بريطانيا تعد من أقل الدول تعاونًا مع مصر فى ملف استعادة الأموال المهربة إلى الخارج، حيث تمكن فريق إعداد من البرنامج من إيجاد مستندات تثبت امتلاك جمال مبارك شركة «ميدين فيست»، ولو كانت السلطات البريطانية أجرت بعض التحريات لتم اكتشاف الكثير عنها.
وقام فريق التقرير بالبحث على الإنترنت عن الأصول التابعة لبعض الشخصيات والمتهمين بتهريب الأموال مثل نجلاء عبد الله زوجة وزير الإسكان السابق أحمد المغربى المتهم بالاستيلاء على المال العام، وتم اكتشاف إنشائها شركة فى بريطانيا فى نوفمبر 2011 والتى لم يتم تجميدها أيضًا.
 
لكن الطريف فى الأمر، والمؤسف والمهم فى نفس الوقت، أن مقدم البرنامج التقى المستشار عاصم الجوهرى، المسؤول عن استرداد الأموال المصرية فى وزارة العدل، لإبلاغه بأن الأصول التابعة لـ19 مسؤولا، وهم الموجودون على قائمة العقوبات، لم تجمد فى بريطانيا، وأوضح أن الحكومة البريطانية لا تطبق الاتفاقية التى وقعت عليها لمكافحة الفساد، وأنها تغلب القانون الداخلى الخاص بها، متسائلا كيف سيتم الحصول على هذه الأموال دون مساعدة بريطانيا؟ ثم تم عرض تلك التساؤلات أمام وزير الدولة البريطانية للشؤون الخارجية، الذى قال إن بريطانيا تقوم بكل ما بوسعها لاستعادة أموال مصر المهربة لديها، وقال إن تعقب الأموال يستلزم الحصول على أدلة من الصعب الحصول عليها فى مصر أو بريطانيا، لكننا نتعاون مع مصر فى ذلك.
 ما الذى يعنيه ما مضى، ما الذى يعنيه هذا التحقيق الاستقصائى المهم، والذى قام به فريق برنامج فى الـ«بى بى سى»، يعنى أن الأمر ليس صعبًا، وأن من يريد أن يصل إلى حل سيصل، وأن مجرد فريق فى برنامج استطاع أن يصل إلى نتائج لم تصل إلى مصر طوال عام ونصف العام، ويعنى أيضا أن الأموال المصرية المهربة فى الخارج لن تعود ما دمنا نفتقد القدرة والإرادة السياسية.
رئيس التحرير التنفيذي لجريدة التحرير المصرية

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.