وقف الناس عند مقدم القاضي، وأعلن الحاجب الذي كان يقف تحت لوحة خشبية مكتوب عليها ( الأمة التي لا يشعر كلها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية ) بداية المحاكمة.
القاضي: لقد عملت في هذه المهنة لمدة طويلة، شهدت فيها العديد من القضايا المختلفة لمختلف المتخاصمين، وقد مد الله في عمري لأشهد قضية فريدة من نوعها على مستوى القضية والمتخاصمين، لأنها بين سلطان المدينة وشعبه !!
ونستهل المحاكمة بكلمة هيئة المحلفين.
هيئة المحلفين: يا سيدي القاضي: سوف يسجل التاريخ هذه المحاكمة بمداد من الفصاحة والبيان، وسوف تحفظها أجيالنا بسيف الكرامة والعزة.
يا سيدي القاضي، إن مدينتنا مرت بأطوار مختلفة، وهي مكونة من مناطق مترامية الأطراف متنوعة الأطياف، عزم أجدادنا تطوير الحياة فيها مستلهمين من مدينة غروب الشمس صحيفة، تهدف تنظيم علاقات أطرافها فيما بينها، وتحديداً بين الحاكم والمحكوم، وكانت نقطة تحول إصلاحية لمدينتنا، فتميزت مدينتنا بصحيفتها عن المدن المجاورة، وصارت مضرباً للأمثال فغدت درة الشمال.
القاضي: استناداً لما ورد في الصحيفة من أن ( الشعب مصدر السلطات ) فستكون للشعب البداية .
الشعب : يا سيدي القاضي: إن سلطاننا حاول ولا يزال أن ينقض ما في هذه الصحيفة، كما ننقم منه أموراً عدة منها، لم يول علينا الأخيار، واستأثر أهله وذريته، يعيش في رغد من العيش ويسكن القصور المكتضة بالخدم والحشم،
ذات أبواب كثيرة، ولم يجعل لنا باباً منها، كل ذلك لأن أجره كان أربعة أضعاف راتب أحدنا، بدأ خوف الناس منه يتسلل إلى قلوبهم حتى تمكن، واتخذ من القصاص والشعراء الذين يزعمون أن ذلك من مستلزمات السلطنة، قد أطلق
يده الخفية بالتصرف في شؤون المدينة، واستحث أهل المال للدفاع عنه، واستأجر المفتين للتأويل له، وعين الدرك للموت دونه، ويمنعون تجمعاتنا وإلا فمصيرنا العصا والإهانة، فأخذ منا اللسان والقلم، يخرج من وراء حجاب
ليلقي كلمته التي حفظناها، وقد علمت أن مصالح المدينة ضرورية والجري على الحفاظ عليها مسؤولية كل واحد منا كما تقرر في الصحيفة، فوجب علينا نفع المدينة بجلب مصالحها ودرء مفاسدها، أنت قد أحطت بما قلناه، فخذ لنا الحق
منه.
القاضي: أشكركم على هذه المرافعة، والآن الكلمة للسلطان.
السلطان: يا سيدي القاضي: إن الشعب قد أغلظ في الكلام ولم يأت بالحقائق كما هي، وحقي في هذه الصحيفة محفوظ، ولا يصح التطاول على بأي شكل من الأشكال، وهذه مؤامرة تحاك للإحاطة بي، وهؤلاء القوم يعيشون رغداً من
العيش، ولكل واحد منهم أجره الشهري، وسكن مضاء في كل وقت، وسمحت لهم بالتنقل وبكل أنواع الأكل والشرب، كذلك سمحت لهم بالتعلم والتداوي، كما أني لا استطيع الخروج لهم لانشغالي بشؤونهم وأحوالهم، كما جعلت لهم نادياً يجتمع به وجهاؤهم ليتشاوروا ويقرروا، وهم مع هذا لا يدركون أني أعقلهم وأحكمهم وأقلهم سفهاً، وكل أعمالي موافقة لصحيفتهم .
القاضي: شكراً لك أيها السلطان، والآن الكلمة الأخيرة لهيئة المحلفين.
هيئة المحلفين: يا سيدي القاضي: إن المدينة التي ليس في شؤونها حل ولا عقد، ولا تستشار في مصالحها، ولا أثر لإرادتها في منافعها، وإنما هي خاضعة لحكم واحد إرادته قانون، ومشيئته نظام، ويحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، تلك أمة لا تثبت على حال، ولا ينضبط لها سير، والحكمة والعدل في أن تكون الأمة في مجموعها حرة مستقلة في شوؤنها، وألا يتصرف سلطانها بشؤونها تصرفاً مطلقاً بلا خشية حساب ولا عقاب، ولا شك يا سيدي القاضي أنك رأيت وقرأت عن أمة استطاعت أن تعيش بدون أن يكون على رأسها ملك، ولكن هل رأيت ملكاً عاش بدون أمة ورعيته.
القاضي : شكراً لهيئة المحلفين، وبعد السماع والمداولة حكمنا بـ……..
– قم يا زياد لقد تأخرت عن المدرسة!!
– زياد: لماذا أيقضتني يا أمي قبل الحكم !!!!

أضف تعليق