كتاب سبر

إشكالية العلاقات الكردية العربية

من المهم إدراك نقطة جوهرية أن الإشكالية الموجودة بين العرب و الكورد لا تستمد جذورها من التاريخ القديم مثل باقي العداوات أو المشاكل الدامية بين الكثير من الجماعات مثل (الخلاف الشيعي السني ) بل هي مشكلة حديثة النشأة تعود جذورها إلى نهاية الدولة العثمانية و بداية نشوء الدول القومية عن طريق تقسيم المنطقة بصورة عبثية في سبيل تشكيل دول غير مستقرة من الممكن إدخال النزاعات و الصراعات فيها بشكل سهل في المستقبل في سبيل تجنب تشكيل كيان موحد يهدد وجود الاستعمار في هذه المنطقة الغنية بالثروات و الإستراتيجية من الناحية السياسية .

ففي ظل الإسلام لم يكن هناك أي مشكلة بين القومية الكوردية و العربية ، بل على العكس كان هناك تكامل و مشاركة و تداول في قيادة الأمة الإسلامية بين القوميتين ، وكان الكوردي يشعر بأنه جزء من الحضارة الإسلامية و بالتالي يساهم في تطويره و يضحي لحمايته من العدوان الخارجي ، وكان الكوردي ينظر إلى اللغة العربية بقدسية لأنه لغة القرآن و بها يتعلم أحكام دينه و يتقرب إلى ربه ولم يكن يشعر بأي تعارض بين التمسك بقوميته و الإلتزام بدينه ، وكما يقول الكاتب الكوردي من تركيا مفيد يوكسيل (نحن نحب العرب لأنهم نشروا الإسلام و جلبوا لنا هذا الدين العظيم ) وهذه النظرة الإيجابية هي التي كانت سائدة في ظل الحكم الإسلامي للمنطقة .

ولكن الخلافات السياسية هي التي أحدثت الشرخ و الصراع الاجتماعي بين الطرفين و حاولت تمزيق المجتمع و إضعافه عن طريق إدخاله في حالة من الكراهية و الانتقام و زرع الفتنة بين القوميتين، ففي ظل الأنظمة القومية و خاصة حزب البعث العربي الاشتراكي تسببت ممارسات هذا الحزب ضد المكون الكوردي في ترك أثر سلبي عند الكورد تجاه المكون العربي و خاصة أن هذا الحزب كان يرتكب الجرائم بحق الشعب الكوردي تحت شعار قومي حتى يكسبوا تعاطفا داخليا و خارجيا .

ولكن رغم هذه الحملات إلا أن العلاقات الإجتماعية في العراق على سبيل المثال لم تتأثر كثيرا وخاصة عندما ننظر إلى مدن مثل كركوك و بغداد نرى أن هناك فيها إندماج ثقافي و نموذج للتعايش و التآخي بالرغم من الممارسات الخاطئة للنظام العراقي السابق إلا أن الأغلبية العربية و الكوردية لم تسمح لهذه الممارسات بأن تفسد عمق العلاقات الاجتماعية الموجودة و حافظت عليها وحاولت دائما أن تزيد الروابط بينها ، و الدليل أن أكثر من مليوني نازح عربي ذهبوا إلى كردستان العراق و أغلبهم قرر الإستقرار هناك لأنه لم يشعر بظلم قومي أو حالات عنصرية بل شعروا بأنهم يعيشون مع أهلهم و هذا كان بسبب النظرة الإيجابية للكوردي الذي لم يحاسب العرب على جرائم لم يرتكبوه بل أصبح يفكر بالأمور المشتركة و طوي صفحة الماضي و فتح صفحة جديدة للمضي نحو المستقبل.
وفي سبيل زيادة التقارب و التعاون بين الطرفين من الضروري التخلص من النظرة الدونية الموجودة عند بعض الأطياف تجاه المكون الكوردي الذي يعتبر نظرة خاطئة و لايخدم محاولات التقريب و التقارب بين الطرفين ومنها:
البعض ينظر إلى القضية الكوردية بمنظور عنصري خاطيء ويجهل تاريخ نشوء القضية الكوردية و يعتبر الكورد أقلية و هذا ما يزيد الشرخ و يتسبب في توجه الكوردي لكيان مستقل حتى يثبت وجوده و قوته و يتخلص من تسمية (الأقلية) وبالتالي نقع في دوامة من الفعل و ردة الفعل بسبب هذا الخطاب العنصري الموجود عند البعض و خاصة عندما يتبناه بعض وسائل الإعلام .
وأيضا من الخطأ الشنيع التعميم و محاسبة العنصر الكوردي على تصرفات فردية أو حزبية و تخوين القومية الكوردية بالكامل و الحكم على القضية بأنها باطلة، فالقضية الكوردية أقدم من هذه الأنظمة و الأحزاب الكوردية الموجودة حاليا على الساحة وبالتالي من الضروري إعادة النظر في هذه النظرة و تصحيحها في سبيل إزالة كامل العقبات أمام التكامل و التقارب بين القوميتين في المستقبل القريب.
ومن المهم أن نذكر أن الكثيرين يحترمون القومية الكوردية ولكن بشرط أن لا تتحدث عن موضوع الدولة الكوردية و لا تفكر في هذا الحلم، رغم أننا نرى أن هذا المشروع تقدم كثيرا وخاصة في كردستان العراق و أن هناك إقليم يتمتع بإدارة ذاتية و موارد اقتصادية و جميع المؤسسات الرسمية و الشرعية و تمثيل دولي و إقليمي ، و يتطور يوما بعد يوم في ظل ترقب دولي لاستفتاء على تقرير المصير و الانفصال عن الدولة العراقية، و بالتالي يجب أن لا يمنع هذا الموضوع التقارب بين القوميتين، بل يجب أن نعمل على تمتين العلاقات بين الطرفين حتى في حالة استقلال كردستان العراق تماما و انفصالها عن بغداد، فيجب على هؤلاء أن لا يحملوا نظرة سلبية للمكون الكوردي بسبب وجود هذا التفكير عندهم لأن هناك أسباب واقعية تقف وراء تفكير الشعب الكوردي بهذه الطريقة و حلمه بالاستقلال و الدولة المستقلة ويمكن في المستقبل يحدث الإتحاد بين الطرفين عندما يعود العراق لأصحابها.
الخلافات السياسية خلافات عابرة ولكن للأسف تؤثر على العلاقات الإجتماعية ، ولكن من الضروري أن ندرك أن الطرفان لديهم أمور كثيرة مشتركة و مصير مشترك و عليهم أن يعملوا بكل الطرق لإحداث تقارب أكثر و منع إحداث الشرخ و الفتنة فيما بينهم وخاصة بوجود أطراف تتبنى زرع الفتنة و التصعيد و تستفيد من وجود حالات الكراهية و التفرقة بين الشعوب.

shahoqaradaxi@gmail.com

شاهو القره داغي

شاهو القره داغي

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق