أقلامهم

هكذا نحارب الفساد؟!

أثارت النائبة الفاضلة صفاء الهاشم تساؤلات مستحقة وخطيرة وفي التوقيت المناسب حول تخصيص موقع جديد لهيئة مكافحة الفساد على الواجهة البحرية تقدر قيمته بنحو 400 مليون دينار كويتي، وبمساحة تبلغ 16 ألف متر مربع، يضاف إلى ذلك ميزانية قدرها 30 مليون دينار لبناء مقر الهيئة الجديد، وهذه المبالغ مجتمعة تساوي قيمة الدعم الذي كانت تقدمه الحكومة لأسعار الوقود وتحولت على كاهل المواطن منذ العام الماضي.

هيئة مكافحة الفساد من المؤسسات التي يشار إليها بالبنان في المعايير الدولية عند تصنيف الدول وفقاً لمستويات الشفافية والحالة الديمقراطية، وهي صمام أمان للمحافظة على الأموال العامة والحصن الحصين للتصدي للمفسدين مهما ارتفعت مسمياتهم ومواقعهم الوظيفية في الدولة، وقد تشرفت بمعية زملاء أفاضل في العديد من الدورات البرلمانية بتقديم الاقتراح بقانون لإنشاء هذه الهيئة كطموح للارتقاء بمؤسسات الدولة الرقابية وتعزيز قيم النزاهة والإصلاح السياسي والإداري، خصوصاً أن مؤشرات الفساد في الكويت بلغت معدلات قياسية شوهت سمعتنا كبلد ومواطنين في السنوات الأخيرة.

لكن هيئتنا “الحلم” وُلِدت في ظروف ووفق قرارات وآليات لا تحمل “بشرة خير” منذ صدور مرسوم تشكيلها المعيب قانونياً ودستورياً مرتين متتاليتين، والخلافات والاتهامات الخطيرة التي تبادلها القياديون فيها وتحويلها إلى النيابة العامة، والشبهات القانونية التي لحقت التعيينات الإدارية فيها، رغم أن فريق العمل والقياديين في الهيئة لا يتجاوز عددهم (19) شخصاً، لتأتي قصة الأرض الجديدة وتزيد الطين بلة!

الهيئة تمارس علمها حالياً في مبنى مدرسي بمنطقة الشامية الراقية، وقد صُرِف على هذا المبنى الملايين من الدنانير وتم تحويله إلى مقر أنيق وواسع كان يستوعب أكثر من ألف طالب ومئة من الجهاز التدريسي، فكيف لا يستوعب 20 موظفاً؟!

الهيئة برموزها من السادة المستشارين الأفاضل الذين قضوا سنوات طويلة في مرفق القضاء الشامخ، وبما تحملوا من مسؤوليات جسيمة، يفترض أن تكون النموذج الأول للشفافية والرمز الذي تحتذي به بقية الهيئات والمؤسسات الحكومية في الدولة لتبسط هيبتها ومصداقيتها على الجميع ثم تحاسب وتراقب الكل.

يروي التاريخ قصة رائعة للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) إبان خلافته للدولة الإسلامية عندما كان يضيء شمعة في بيت المال لمراجعة الأمور المالية وأثناء دخول أخيه عقيل أطفأ تلك الشمعة لأن شقيقه حضر في أمر شخصي لا يمت إلى العمل الإداري بصلة، فهذا هو سلوك الكبار، وهكذا تكون القدوة الصالحة والقيادة الراشدة.

هيئة مكافحة الفساد من أهم أجهزة الدولة الرقابية اليوم، ويعوّل عليها كثيراً في تغيير السلوكيات المنحرفة إدارياً ومالياً واسترجاع هيبة القانون وحرمة الأموال، ولكن مع مثل هذه البدايات المتعثرة والممارسات التي لا تدرأ عن نفسها الشك والريبة، وإن لم يكن فيها أية انتهاكات للقانون، لا يمكن أن نتفاءل كثيراً، ونتمنى من السادة الأفاضل المؤتمنين على هذا الجهاز الحساس أن يعيدوا النظر في بعض قراراتهم، لاسيما موضوع الأرض والمكافآت الخيالية والمزايا الارستقراطية، ليكبروا أكثر وأكثر في عيون المجتمع وتساوي قيمتهم المتمثلة في شخوصهم أضعاف قيم المباني و”البرستيج” المادي!

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *