كتاب سبر

الجوارى ومطربات محو الأمية !

 طبعا أول ما نتكلم عن الجواري يلزق في ذهنك هذه الصورة السينمائية التي لا نعرف أي عفريت من الجن أوحى بها إلى السينمائيين “جماعة من الرحال على كراسي من القطن وريش النعام يجلسون وأمامهم تتبختر أطقم من الحريم يرتدين ملابس الرقص الشرقي أو في أحسن الأحوال ملابس مثل فرقة رضا في الرقصات الشعبية وهات يا رقص وغناء وأنهار من الخمر على أذقان الرجال، واستيفان روستي يمسح ذقنه ويركز بنظراته النهمة  على بطلة الفيلم”. 


هذه هي الصورة المعتمدة لديك عن الجواري وربما تحمل طرفا من الحقيقة، وربما لا علاقة لها بالحقيقة إطلاقا، ما يهمنا هنا هو موضع الرقص والغناء.. حين قال الرجل لأم كلثوم في الفيلم غني يا سلامة، فردت عليه بعنف غريب، وكادت تسكعه قلمين وايش اغني، هذا الحوار هو بالضبط ما نقصده، من هن الجواري؟ 


 مبدئيا لا توجد في الدنيا جارية أرادت أن تكون جارية، بمعنى أن الجواري جئن إلي العالم الإسلامي دون رغبتهن، بل سبايا حرب أو بقايا سوق نخاسة، ثم أن الجواري كن أصنافا وألوانا. 


لا أقصد جنسياتهن فقط، بل أيضاً مهماتهن، فهناك الجواري اللاتي كن للفراش والتسري الجنسي فقط، وهناك جواري للشعر والرقص والغناء آه الرقص والغناء، الغريب أن البعض يتصور أن العرب حين فتحوا البلدان المجاورة كان أهل هذه البلدان عبارة عن شعوب من المطربات والجواري اللاتي ينتظرن فرصة، مجرد فرصة لتقديم أنفسهن للسيد العربي الفحل القادم، ولسنوات طويلة كان أهل هذه البلدان المحاربة المناورة يدخلون ضمن رق وعبيد المسلمين، وبطبيعة الحال فقد كانت نساء هذه البلدان لا يعرفن اللغة العربية ولا يصلحن من اللحظة الأولي للرقص والعزف والموسيقي، فالحقيقة أن المسلمين لم يغزوا كلوت بك فى هذه الدول، أو أن كتيبة من الفرسان ركزت على معهد الكونسرفتوار فارس، أول ما دخلت. 


صناعة الجوارى إذن من حيث التدريب على الرقص والغناء وحفظ الشعر وإلقائه وتعريب الجارية وتثقيفها كان بفعل العرب ورجال القصور ومحترفى التدريب والتأهيل، وإلى جانب الجواري واردات الغزو والفتح، كانت هناك جواري عربا من البلدان المفتوحة أو إماء بالتناسل والوراثة.


لم تكن الجارية التى تمرح في قصور الخلافة والسلطة مجرد جسد أو أداة للمتعة، بل على العكس كانت تحفظ آلاف الأبيات من الشعر وتفهم في الطب والفلك والتنجيم والرياضيات والفقه والغناء وشروح النحو. 


كانت الثقافة التي تتمتع بها الجارية كاملة مكملة مدهشة وآسرة، وكن يتعلمن علي أيدي أهم الأساتذة والعلماء والفنانين، وكانت الجواري ملمات بشئون السياسة والساسة وأصول الحكم وتسيير شئون الخلق وكن صاحبات رأي ومشهورة وسيدات قصور ومجتمعات، وهو نقيض ما نراه الآن من المغنيين والمغنيات من جهل وضحالة وأمية، كذلك فلم تكن هناك مطربة أبدا بالإعدادية، ولا ضاربة شهادة محو أمية. 


كانت الجواري يعشن في زمن الحضارة، حيث صعدت الأمة العربية الإسلامية إلى سؤدد المجد ( حد عارف سؤدد يعنى إيه ؟)  أما الفنانات فهن يعشن معنا الآن، واخد بالك معنا.. الآن  ..وربنا يستر علينا وعلى ولايانا. !



إبراهيم عيسى

إبراهيم عيسى

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق