عربي وعالمي دراسة

مجلس التعاون من الخليج إلى المحيط

في خطوة ربما كانت مفاجئة لجميع مواطني مجلس التعاون لدول الخليج العربية بل لجميع الدوائر السياسية في العالم تم الإعلان خلال قمة الخليج التشاورية التي استضافتها العاصمة السعودية في العاشر من هذا الشهر عن النظر في طلب المملكة الأردنية الهاشمية للانضمام للمنظومة الخليجية وكذلك تم توجيه دعوة للمملكة المغربية لتصبح أحد أعضاء هذا التجمع.. من الواضح أن جميع شعوب المنظومة الخليجية تكن كل الحب والتقدير لكلتا المملكتين ولشعوبهما ولكن العلاقات الدولية لا تدار بالعاطفة والمجاملات بل تحكمها المصالح وخاصة المصالح الاقتصادية والأمنية وربما من هذا المنطلق تم رفض هذه الفكرة من الغالبية الشعبوية الخليجية..


 ما يدفع البعض إلى الاستغراب هو اختيار مملكتي الأردن والمغرب.. لماذا لم تكن جمهورية العراق أو الجمهورية اليمنية بالرغم من الرابط الجغرافي؟.. لماذا تم اختيار الأنظمة الملكية ولم يقع الاختيار على الجمهوريات؟.


وكان من المفترض أن تقوم الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية بالترويج لذلك المشروع مسبقا حتى تستشف ردة فعل الشارع الخليجي.. أو على الأقل تعقد مؤتمرا صحفيا بعد إعلان ذلك التوجه حتى توضح وتنور الشعوب المعنية والمستهدفة بأهمية تلك الخطوات وكذلك لتطمين الدول المجاورة للدول المعنية بالانضمام والتي بدأت الشكوك ترتابها من ذلك التوسع .. هذا الغموض دفع الكثير من الأشخاص والدول إلى العديد من التفسيرات فبعضها مثالي وينظر إلى أنه سيكون تحالفا الهدف منه الاقتصاد والأمن والاستقرار أما البعض الآخر فيرى أنه سيكون مجلسا للأنظمة الملكية الوراثية وربما يستهدف ربيع الثورات العربية ويحاصرها حتى لا تمتد كما جري من تنافس في الحرب الباردة بين الشيوعية التي رعاها الاتحاد السوفييتي والرأسمالية التي تدعمها الولايات المتحدة الأمريكية.. ويبدو أن الرافضين لضم دول جديدة في الوقت الراهن وفي ظل ما تشهده الساحة الإقليمية من توتر سياسي ملتهب يرون أن المنظومة الخليجية في غنى عن ما يزيد همومها.. فالأردن والمغرب صحيح أنهما من أفضل الدول العربية الأخرى من حيث الأمن والاستقرار الداخلي ومعدل دخل الفرد إلا أن ذلك ليس مبررا لضمهما وذلك لعدة اعتبارات منها المشكلات الاقتصادية والبطالة والحدود الإقليمية الساخنة للبلدين.. فالأردن مجاورة لإسرائيل وفلسطين وسوريا ولبنان وجميعها لديها مشكلات واي خلاف مع الأردن سوف يجر الخليجي مرغما إلى التدخل كون الأردن احد أركانه.. وكذلك المغرب فمازالت لديها مشكلات حدودية مع إسبانيا بالإضافة إلى مشكلة الصحراء الغربية التي لم تحل حتى الأن وتشترك العديد من الدول في المطالبة بها وهذا سيدفع الخليجي إلى المصير نفسه مع الأردن وجيرانها..


ويبدو أن هذه الرؤية الاستراتيجية لقادة المجلس ربما جاءت لأحد الأسباب التالية:


– الضغوط والتهديدات التي تطلقها إيران ضد دول المجلس بين الوهلة والأخرى ربما أدت إلى التخوف من عدم القدرة للتصدي لها.. وبذلك قد تكون دول المجلس ارتأت بأن الأردن التي تربطها حدود واتفاقات وعلاقات وطيدة مع إسرائيل وكذلك الرباط التي لها علاقات دبلوماسية مع تل أبيب ربما ستعززان من قدرات دول المجلس العسكرية والأمنية والاستراتيجية.. بحيث أن امن المجلس سيصبح في دائرة الاهتمام الإسرائيلي الأمريكي.. 


– وربما تهدف الدول الخليجية من ضم الأردن إلى أن تكون لها اليد العليا على أوراق القضية الفلسطينية واللبنانية من خلال السيطرة على خيار المقاومة حتى تتمكن من استخدامه كأدوات ضغط في اللعبة السياسية للشرق الأوسط.. أما دعوة المغرب إلى الانضمام فقد يكون الهدف سياسيا أيضا وذلك لاستغلال مشكلة الصحراء الكبرى لإدارة علاقاتها مع الأطراف الأخرى المشتركة في تلك المشكلة.. وبالتالي يبدو أنها رأت أنه بذلك سيكون لها عمق استراتيجيا لمواجهة المخاطر التي تواجهها وكذلك ستكون راعية لإدارة الأزمات والأحداث السياسية في المنطقة.


– وقد يكون السبب اقتصاديا بحيث تكون الأردن ميناء جديد للانفتاح إلى الخارج في حال إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران كما تهدد هذه الأيام أو في حال حدوث أي تهديد أو أية كارثة في الخليج العربي.. وكذلك الحال بالنسبة للمغرب التي تقع على المحيط الأطلسي وترتبط حدوديا بأوروبا كما أنها تمتلك فرصا استثمارية واقتصادية جديرة بالاهتمام الخليجي.. وربما بالإضافة إلى ذلك النظر إلى أن الأنظمة الملكية اكثر استقرار وضمان لحقوق المستثمرين من الأنظمة الجمهورية التي قد تتغير سياساتها بتغير أنظمتها.. ولعل ابرز دليل على ما حدث بمصر في أعقاب الثورة من تأميم لبعض الأراضي التي يمتلكها مستثمرون مصريون وشركاء أجانب لهم .. وكذلك التهديدات التي اطلقتها سوريا بمصادرة ما يقارب اكثر من ستة مليار دولا لقطر في حال خالفت سياساتها..


هذه الأسباب التي تم طرحها قد لا تكون هي التي جالت في أذهان القادة الخليجيين وقد تكون هناك أسباب أخرى لذلك.. ولكن هناك الغالبية المعارضة لذلك التوجه لعدة مبررات يمكن سردها على النحو التالي:


– يبدو أن  الرفض يعود لغياب الرابط الجغرافي فبالرغم أن الأردن ترتبط حدوديا مع السعودية وأنها مقاربة لدول الخليجي من حيث بعض العادات والتقاليد وكذلك النظام القبلي إلا أنها لا تقع على الخليج العربي وهو احد الأسباب الذي تم رفض طلب انضمام دول من قبل بالإضافة إلى اختلاف أنظمة الحكم فيها ..أما المغرب فالوحدة معها ستكون عابرة للحدود بمعنى أنه لا يوجد رابط جغرافيا معها.. ولو نظرنا إلى التجارب السابقة للتحالفات والتكتلات العابرة للحدود والتي هدفت إلى التعاون السياسي والعسكري لتضييق الخناق على شعوبها أو لمحاصرة دولا أخرى لوجدنا أن غالبيها فشلت ولم تدم طويلا كالوحدة بين مصر وسوريا عام 1958..وكذلك حلف بغداد عام 1955..وايضا مجلس التعاون العربي عام 1989..وعلى الرغم من أننا نعيش في عصر التكتلات والدول المنعزلة ستكون ضعيفة.. ولكن التعاون والتكتل لابد أن يكون اقتصاديا في أساسه لأن الاقتصاد هو المحرك الأساسي لبقية المصالح الأخرى ..فالتكتلات الاقتصادية أثبتت أنها هي الأنجح على مر العصور على الرغم من أنها عابرة للحدود وخير نموذج ودليل على ذلك هو مجموعة الدول الصناعية الثمانية وكذلك الاتحاد الأوربي الذي يشكل نموذجاً متطوراً للتكتل الاقتصادي يليه التكتل الاقتصادي لأمريكا الشمالية ورابطة الآسيان مرورا بالحلف التجاري لأمريكا اللاتينية.


– أن التكامل بين دول المجلس نفسها لم يتحقق حتى الأن بصورة كاملة بالإضافة إلى المشكلات التي يعاني منها كل بلد.. فمتى ما تحقق ذلك التكامل وتم التغلب على ما تعانيه شعوب دول المجلس من معضلات داخلية يمكن النظر في انضمام دول أخرى لها نفس المزايا المشتركة لدول الخليج..


– أن قبول انضمام الأردن والمغرب يفرض على الخليجي فتح قنوات اتصال مع إسرائيل وهذا الأمر مرفوض لدى الغالبية وربما يسبب له ذلك توترات مع إسرائيل وبالتالي سيؤدي ذلك حتما إلى توتر علاقات الخليجي بالحليف الأمريكي.. 


– يلاحظ أن الشعوب الخليجية ربما غيبت من هذا القرار المصيري بالنسبة لهم وبالتالي من المفترض أن يجرى استفتاء شعبيا للقبول أو الرفض كما يجري في اغلب الدول الأوربية..  


– عند التفكير بالتكتلات لابد من الرؤية الاستراتيجية للجدوى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المرجوة من ذلك التكتل.. بمعنى لابد أن تضم دولا ترفع من مستوى منظومتك وتزيد من مقدراتها والارتقاء بها على كافة المستويات وأن لا تنظر إلى دول مستوياتها تتقارب معك في الإمكانيات والاقتصاديات أو ربما اقل منك..


وفي الختام لاشك أننا ندعم العلاقات التاريخية والروابط الدينية والاجتماعية والأخوية المتينة التي تجمعنا مع أخوتنا العرب كما ندعم قادة الخليجي ونتمنى أن تكون رؤيتهم في الاتجاه الصحيح ولكن نعتقد أنه يتوجب عليهم قبل كل ذلك أن يدفعوا إلى مزيد من الديمقراطية وأن يعززوها لدى شعوبهم وأن يحققوا التكامل بين دولهم أولا وأنهاء المشكلات التي قد تسبب قلقا لمسيرة شعوبهم ومن ثم النظر إلى ضم المزيد من الدول المتوافقة والمتطابقة سياسيا واقتصاديا مع منظومة الخليجي.. فعليهم التريث والنظر إلى التجارب السابقة التي فشلت ولم يكتب لها النجاح.. وبما أنهم يتخذون القرارات المصيرية دون اخذ رأي شعوبهم فأننا نقترح عليهم أنشاء محفظة اقتصادية رأسمالها (100) مليار دينار كويتي مقسمة على جميع دول المجلس بالتساوي.. هذه المحفظة تدخل فيها بشراكات اقتصادية مع الشركات الصناعية الكبرى والدول المؤثرة في العالم والعلاقات الدولية وهذا لا يعني إقصاء الأردن أو المغرب  أو الدول العربية الأخرى من هذه الشراكة بل ما المانع أن يكون لها نصيب الأسد من تلك المحفظة.. حيث نرى أن ذلك اجدى واكثر نفوذا وتأثيرا واستقطابا لسياسات الدول وولاءاتها في دعم قضايانا واستقرارنا وحماية أمننا وكذلك توجيهها لدعم أجندتنا السياسية في المحافل الدولية..وبناء على ما سبق فأننا نؤيد خيار التكتلات الاقتصادية الإقليمية والعابرة للحدود اكثر من التكتلات السياسية الجغرافية التي تضر اكثر ما تنفع..


د. عبدالعزيز محمد العجمي


abdulaziz71@yahoo.com

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق