كتاب سبر

أين سقط تشرتشل؟!!

ودع هريرة إن الركب مرتحل
        وهل تطيق وداعا أيها الرجل؟!!


منذ البدء لم يكن أصعب على الإنسان من الفراق، ومن تذوق طعم النهايه، ومنذ البدء أيضا كانت الدمعه الأولى على وجنة البشريه دمعة فراق”.. فأهبط أنت و زوجك “فكان الوجود البشري الأول على الأرض ..رجل..إمرأه..و دمعة فراق.
منذ أن هبطنا إلى الأرض ظلت الأخلاق سماوية بطبيعتها، وظل الإنسان أرضي بطبيعته، وفي هذه المسافه الفارقه إرتقت الندرة من البشر التي كان لها شكل الجسر بين السماء و الأرض بين مثالية الأخلاق من جهة، وطبيعة النقص البشري من جهه أخرى هناك شخصيات تستعصي على النسيان، وهي تأخذنا في فلك التاريخ لندور “معها” و “حولها”، و أحيانا ندور “لها” إثر جرعة زائده من الشجن.


في أسطنبول مساء الأحد الماضي إجتمع مئات الآلاف من أنصار حزب العداله و التنميه للإحتفال بإنتصار الحزب في الإنتخابات، وكان نجم الإحتفال بلا منازع زعيم الحزب و رئيس الحكومه رجب طيب أردوغان، وهذا ليس كثيرا عليه، فالرجل قاد برنامجا تنمويا حقق من خلاله العديد من المنجزات، فالرجل بإختصار “قدم السبت فأستحق الأحد “.


غير أن أردوغان لم يكتف ب”الأحد” فقرر ان يأخذ بقية أيام الأسبوع فأعلن أمام الجمع، و بكل بساطه “هذه آخر حكومه أكون على رأسها، وسأترك المجال للشباب”.. قالها وهو يستذكر من سبقوه، و مذكرا بتضحياتهم مثل عدنان مندريس، و سليمان ديميريل، و نجم الدين أربكان، و مشيرا الى انهم عملوا ثم رحلوا، و انه هو أيضا سيعمل لآخر مرة ،و يرحل بعدها.


لا أعلم مدى سخاء الغده الدمعيه في جسدي إلا من أثر هذه الكلمات، ولم أكن أعلم أيضا ان النهايات على أيدي العظماء تأخذ شكلا آخر أكثر إغراءا من أي بدايه.


ما الذي يعنيه أن تعلن موعد تنحيك في ليلة إنتصارك، غير أنه درس مجاني في الفرق بين من يعتبر المنصب تكليفا، و الأخر الذي يريده تشريفا، و درسا مجانيا آخر في مفهوم الإداره غير المباشره أي تقديم المثال الأخلاقي من كبار المسئولين لبقية الشعب. إنها رسالة القياده و ليست فقط مهمتها.


أن تتنحى، و أنت في القمه قرار صعب لم يستطع كثير من دهاة السياسة عبوره بسلام، فتشرتشل و ديغول قبلا بالنهايه، لأنه فاتهم أن يصنعوها..فاتهم أيضا ان يتذكروا ان من يتنحى وهو في القمه يبقى فيها للأبد.


تسقط دمعه أيضا في ذكرى “الزول المحترم” عبدالرحمن سوار الذهب، وتلحقها أخرى ل”لآسيوي الهادىء” مهاتير محمد.
هناك دموع من نوع آخر تنزفها العين على وطن كتب على أهم مبانيه “لو دامت لغيرك ما إتصلت إليك”، و ظلت العبارة أساسا للوطن، وليست حقيقة له.



twitter@khaledalgaafry

Copy link