آراؤهم

دكتاتورية الانظمة والشعوب العربية

يبدو ان بعض الشعوب العربية الثائرة التي عاشت قرونا من الظلم والاستبداد قد انطلت عليها تلك الصفة وتأثرت بها ففي الوقت الذي بدأت انظمتها تقدم كل التنازلات من أجلها لا من حيث المميزات ولا من حيث الرحيل عن الحكم نجدها مصرة لاقتلاع  تلك الانظمة من جذورها.. نعتقد ان لا احدا يلومها على ازاحة تلك الانظمة المتهالكة ولكن ربما ماتلام عليه هو الرغبة السريعة الغير مبررة  في التحول من عهد الى عهد جديد دون النظر الى اعتبارات وخطوات ذلك التحول التي لابد وان تأخذ وقتها الزمني. فهذه الشعوب صبرت قرونا على هذا القهر ولم تصبر شهورا لتحقيق التحول السلمي التي وعدت به وتحت ضمانات دولية.ربما مايلام عليه الثوار في تلك الدول العربية ايضا هو اصرارهم على التنفيذ لجميع مطالبهم حتى ولو كانت بعض هذه المطالب ذاهبة بالبلد الى الهاوية، وكذلك اتهام من يعارضهم بالخيانة ومسايرة السلطة السابقة وامتداد لها.

قد يدرك المعارضون ان هذا العهد الجديد يحتاج الى نظام دستوري وقانوني جديدا يتماشى مع متطلبات شعوبهم ولكن ربما انهم لم يضعوا في حسبانهم ان هذا التغيير يتطلب الى مزيد من الدراسة والبحث ومن الصعب الاستعجال به حتى يتسنى استيعاب جميع مكونات ومقدرات هذه البلاد ومن ثم اصدار ما يتناسب معها.فالاستعجال بالتحول قد يؤدي الى فراغ دستوري يترتب عليه عدم الاستقرا الامني وبالتالي التأثير على الاقتصاد المحلي بالاضافة الى اتاحة المجال امام التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية.

تلك الانظمة لايختلف اثنان على انها كانت ارستوتوقراطية وشمولية من خلال ماقامت به من أبشع صور الديكتاتورية في كثير من الاحيان من أجل التفرد بالسلطة والحكم وأوهمت شعوبها بالمخاطر الخارجية وانها دول مواجهة في سبيل ابقاء شعوبها تحت الاحكام العرفية والانظمة الاقتصادية التقشفية لتمسك قبضتها على عروشها المشيدة تارة عن طريق الترهيب وتارة أخرى عن طريق الترغيب  لتستفيد هي وبطانتها الفاسدة من ذلك. 

الانظمة العربية التي من المفترض انها تدخل انتخابات كل اربع سنوات كانت تفوز (99,9%) واستمر اغلبها لما يزيد عن الثلاثين عاما وبذلك بتسييس وتجيير السلطات التتنفيذية والتشريعية والقضائية القوانين والدساتير والاعلام لصالحها مستمدة شرعيتها تلك على ماقاله  مكيافيل: “أيّها الأمير يتعيّن عليك أن تكون ثعلبا حتّى تستطيع أن تتعرّف مواقع الفخاخ وأن تكون أسدا حتّى يكون في مكنتك أن تخيف الذئاب…. من أجل الحفاظ على الدولة عليك أن تسلك ضد الإيمان وضد الرحمة وضد الإنسانية بل وضدّ الدين ذاته”

وفي غضون التطور التكنولوجي والتقدم العلمي على كافة المستويات الانسانية والعلمية التي تغيرت معها المفاهيم والقيم الكونية لهذه الحياة العصرية  نجد ان الانظمة العربية وخاصة الجمهورية مارست الاضطهاد والغبن لشعوبها في اوقات واحيان كثيرة  لجعلها في حالة تخلف وغياب ربما تام عن مايدور حولها من احداث لينشغل عن المطالبة بحقوقه السياسية بالبحث عن قوت يومه.فهل يعقل ونحن في القرن الحادي والعشرين ونجد ان هناك دولا عربية لم يدخلها النت او مكائن السحب الالي (ATM) الا قبل سنوات قليلة؟

في المقابل وفي الوقت الذي ثارت تلك الشعوب لتحرر من قهر انظمتها نجدها تريد التحول نحو مبتغاها بسرعة تسبق البرق دون مراعاة او ادراك لما قد يترتب على ذلك التحول السريع وذلك من خلال تسلطها برفض جميع الوعود بالاصلاحات التي تحتاج الى مزيد من التمعن والوقت والدراسة.ونعتقد ان هناك الكثير ممن يتساءل عن ماذا تريد تلك الشعوب العربية الثائرة,هل هي تبحث عن التحول من الدكتاتورية الى الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة, ام انها تبحث عن التحول من الفقر والتخلف الى  الحياة الكريمة والتطور؟

نتوقع  أن مايبحث عنه الثوار العرب هو الامن والاستقرار الاقتصادي والحقوق الانسانية وابسط انواع الحياة الهنية والكريمة وربما قد لا يهمه شكل الحكم في وطنه. ويبدو ان ذلك لن يتحقق إلا بوجود انظمة يكون هدفها الرئيسي تنفيذ ذلك ولا يهم هويتها ديمقراطية اودكتاتورية طالما ان النتيجة ستؤدي الى دولة متطورة تواكب مايشهده العالم من تقدم على جميع المستويات.

ومن النماذج التي قد تدل على ان الخلل ربما ليس في نوعية النظام وانما في الية تطبيق الحكم فان  جمهورية سنغافورة الدولة غير النفطية ومحدودة الموارد والتي يحكمها حزب واحد هو حزب العمل الشعبي منذ اكثر من ستين عاماً وفيها حرية الرأي وتكوين الاحزاب والصحافه محظورة الى عهد قريب, ويحظر فيها التجمع لاكثر من خمس اشخاص .الا انها تعتبر من افضل دول العالم اقتصادياً ورابع اهم مركز مالي في العالم , وشعبها يعد من اكثر الشعوب رفاهية ودولة متقدمة على كافة الاصعدة.

بينما نجد ان هناك ديمقراطيات عربية تعد نوعا ما قديمة كالكويت مثلا وديمقراطيات أخرى أنشأت حديثاً كالعراق مثلاً وتعتبران من اكثر دول المنطقة دخلاً ومصدر لثروة البترول .إلا ان الشعب فيهما يعاني من الفساد الاداري والسياسي والبطالة والنقص في اغلب الاشياء.

ولو نظرنا الى الثورات العربية بشكل عام والثورة المصرية بشكل خاص والتي حققت مرادها بتنحية الرئيس محمد حسني مبارك ونظامه عن الحكم ورغم الوعود التي قدمها مجلس الحكم العسكري بالانتقال الى سلطلة مدنية ومنتخبة قبل نهاية العام الا ان الاحتجاجات مازالت جارية دون تقديم برنامج مقنع يتعارض مع الدور السلمي الذي يلعبه المجلس العسكري فبدلا من ان يكون القواد لتلك الثورة مسؤلين وان يعقدوا هدنة خلال هذا الصيف لاتعاش اقتصاد وطنهم خلال المرحلة الموسمية للسياحة نجدهم يكبدون وطنهم خسائر اقتصادية فادحة تأثر على المواطن البسيط وعلى الوطن بأكمله.فحسب التقرير الصادر عن معهد التمويل الدولي في يونيو الماضي فان الاضطرابات السياسية التي شهدتها مصر ادت الى انسحاب حوالي (16) مليار دولار من رؤوس الاموال الاجنبية منذ مطلع العام,وتوقع التقرير حدوث تراجع في التدفقات الرأسمالية الى مصر في عام 2011 بحوالي (17)مليار دولار.فمن يتحمل تلك الخسائر هل النظام السابق ام ثوار التحرير ام الحكم الانتقالي الذي لم يتسنى له ان يتنفس الصعداء؟.

قد يلومنا البعض وينتقدنا لوقوفنا بعض الشئ مع الانظمة الوليدة فنرد ونقول بأن المواطن مسؤول قبل الحاكم تجاه الوطن وتطبيق القانون وليس بالضرورة أن تنحصر الدكتاتورية في الحاكم، وان الدكتاتورية التي يمكن أن تمارسها الشعوب لا تقل جرما  وفداحة عن تلك التي يمارسها الحاكم.وليس بالضرورة ان تكون ديكتاتورية الانظمة السياسية هي العائق امام تأخر الشعوب طالما انها تحقق العدالة الاجتماعية والتنموية للفرد والدولة, وهذا للاسف ما افتقدته الانظمة السابقة حيث استبدت وظلت طريق العدالة والتنمية في كثير من الاحيان.

وفي الختام فاننا ندعم جميع الثورات المسؤولة الباحثة عن الانظمة الديمقرطية والحياة الكريمة معا ولكن مع عدم الدكتاتورية في ذلك الانتقال وعدم العبث بمقدرات وموارد تلك البلاد فلابد من تصحيح المسارات حتى لاتفقد تلك الثورات الى رونقها الحقيقي وحتى لاتخرج عن اطارها الصحيح فتعود بالبلاد والعباد الى مراحل أسوء مما كانت عليه.

د.عبدالعزيز محمد العجمي

abdulaziz71@yahoo.comEmail:  

Twitter: @Dr_Abdulaziz71 

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق