محليات

ديوان المحاسبة.. للنبلاء فقط

 هكذا هي الكويت اليوم، وهكذا هي مؤسسات الدولة، أصبحت ملكاً لأشخاص معينين، وعائلات معينة، وعلى بقية الشعب شرْب ماء الخليج بعد إضافة قليل من الخل والليمون والفلفل.

وكله بالقانون وباستخدام المفتاح السحري “بند المقابلات الشخصية”، أو قل الثغرة التي تنفذ من خلالها الواسطة، وبهذا استطاعت الحكومة تشويه هذا المعيار كما شوهت بقية المعايير.

حتى ديوان المحاسبة، الذراع الحديدية للبرلمان، الذي خلع ثوب الشعب وارتدى البشت الحكومي، وتحول إلى خادم مطيع لرئيس الحكومة ورئيس البرلمان، يركض أمامهما ليفتح لهما أبواب السيارة، ويسحب الكرسي إلى الخلف ليتمكنا من الجلوس عليه بسهولة، ويقف أمامهما فارداً ذراعيه كلما تعرضا إلى الحذف والقذف، ويصرخ في المحيطين به: “القهوة للعمّين رئيسي البرلمان والحكومة”.. استخدم هو الآخر المفتاح السحري “بند المقابلات الشخصة” لينتقي أبناء بعض الأسر ويحرم بقية أبناء الشعب وبناته.

سقط ديوان المحاسبة في كل المواد الدراسية، بعد أن حوله رئيسه، السيد عبد العزيز العدساني، إلى عبدٍ للرئيسين من جهة، وعزبة مملوكة لبعض الأسر من الجهة الأخرى، ويا ويل موظف الديوان الذي يكشف فساد ديوان الرئيس أو شركة تمتلكها إحدى الأسر النبيلة.. ومن يعترض فهو عنصري بلا شك.

فقبل فترة، أعلن الديوان حاجته إلى “موظف كويتي واحد يمتلك خبرة في الترجمة لا تقل عن ثلاث سنوات”، فتقدم إليه عدد من الكويتيين، منهم بنت إحدى الأسر المتوسطة، وأخرى من بنات “النبلاء”، وخضع الجميع لاختبار القدرات، فأبدعت الأولى إلى درجة أن أحد موظفي الديوان طمأنها بأنها “تميزت في الاختبار”.. وجاء موعد المقابلة الشخصية، المفتاح السحري، فقُبِلت بنت النبلاء ورُفِضت المتفوقة، كالعادة، وللصدفة البحتة كان عبدالعزيز الرومي، وكيل ديوان المحاسبة، هو المعني بالأمر، وبالتأكيد سيحرص على “نُبْل الديوان”.

ويبدو أن شروط القبول كانت مفصلة على مقياس “النبيلة”، لكن القوانين تلزم المؤسسات الحكومية بالإعلان، ولسوء حظ الديوان أن ثمة من تنطبق عليه الشروط، بخلاف الشخص المطلوب، وهذا ما دفع عبدالعزيز الرومي إلى استخدام المفتاح السحري “المقابلة الشخصية”. 

ويقول والد الشابة المتفوقة التي رفضها الديوان: “هل كان المطلوب مني اللجوء إلى معارفي من كبار المسؤولين، وما أكثرهم، كي أستخدم نفوذهم؟ أنا لا أقبل مثل هذا الأمر على نفسي، وابنتي كذلك لا تقبل”، ويؤكد: “لو كانت ابنتي لا تستحق ولا تملك القدرة ولم تكن الأفضل من بين المتقدمين ما غضبت ولا عتبت، لكن القضية مكشوفة بعد أن أصبحت مؤسسات الدولة الحساسة عزبة وحكراً على البعض”، ويتساءل بأسى: “لماذا أوصلوا الكويت إلى هذا المستوى؟”.

وهكذا يتساقط أبناء الشعب وبناته كلما تعلقوا بحافة آمالهم، ليس فشلاً منهم، بل لأن أقدام “النبلاء” داست أيديهم الطموحة، فأسقطتها وأسقطت بلداً كان طموحاً.

ومن جهة أخرى تتساءل سبر بعيداً عن العنصرية: ما الذي يحدث لعائلة هذه الشابة في الكويت؟ ولماذا هذا التجاهل المتعمد لها رغم تاريخها المشرف، إن من الدولة أو من وسائل الإعلام التي يسيطر عليها “النبلاء”؟

ولولا رفض والد الشابة المتفوقة ذكر اسمه واسم أسرته، كي لا تُفهم القضية بصورة “شخصانية”، لذكرت سبر اسم هذه العائلة الكريمة، خصوصاً وأنها من العائلات التي تحدثت كتب التاريخ عن دورها المشرف في الكويت القديمة، وفي أحلك ظروفها كـ”سنة الهيلق”، ومع ذا لا نجد شارعاً أو مدرسة أو أي مرفق عام باسم كبير هذه العائلة، ذي المجد التليد.. ولكن لا غرابة فمفاتيح الأمور في يد من لا ينصف ولا يعدل.