مأزق النواب داخل خيوط الشك
عبدالله بشارة
لم تشهد الحياة البرلمانية في الكويت أكثر اثارة من فصلها الحالي، فقد دخل البرلمان في ضبابية الدراما التي تؤذي مصداقيته، وتدمر نزاهته، وتهوي بجديته، وتخلق تساؤلات عن جدارته، فاذا سيطر الشك على سلوك الأعضاء، مع انكشافات الذمم عن طريق الاحالات الى النيابة، وآخر احصائياتها مع كتابة هذا المقال وصلت الى 13 نائباً، في الايداعات المليونية، فلا مجال للمحافظة على سمعة البرلمان ولن تثمر الجهود لحماية الشخصية البرلمانية من التلوث الفاسد الذي تراكم عبر ممارسات انكشفت مع الزمن، فمهما كانت الفكرة في ابتكار الحيل وفي التغطية، فلن تتمكن من ابقاء الحقيقة مشلولة ومحيدة وتائهة في سراديب مخفية.
تظل أوراق المصداقية والنزاهة أهم وسائل العمل السياسي، فاذا تلوث هذا السلوك، انتهت الهيبة وتلاشى الاحترام، ولنا في سلوكيات الرئيس الأمريكي عبرة، فبعد خطاب التعهد السياسي والمعنوي، يقف أخيرا في الأمم المتحدة عاجزا عن الوفاء بما بشر به سابقا، وعندنا في العالم العربي الكثير من الزعامات التي خسرت ثقة الشعوب بها، آخرها الرئيس اليمني، ممارس الشعوذة السياسية، والرئيس بشار الأسد، الذي يكثر من الوعود بلا فعل، فأضاع رصيده في المحفل العربي والدولي، وتكبر القائمة لتشمل رئيس الوزراء العراقي، المالكي، الذي يتبدل دائما في علاقاته مع الكويت ويخفي نواياه في علاقته مع واشنطن.
مسؤولية الأعضاء البرلمانيين الآن هي اخراج المجلس من تلوث السياسة وكشف الحقائق أمام الشعب الكويتي بلا أقنعة وبدون مساحيق، وهي مسؤولية تتحقق فقط عندما يدرك الأعضاء حجم السخط الشعبي وغضب الناخبين من الغلاف الغامض الذي يحيط بسلوك الأعضاء الذي يؤثر في الذمة وعلى النزاهة، ويمس الملاءة السياسية والأهلية للعضوية البرلمانية، ومهما سعى رئيس المجلس السيد جاسم الخرافي في اجراء غسيل وتنظيف فان الأحداث تبقى بأن سطوة المال وعجرفته تمكنت من الانقضاض على معاني القسم الذي أداه الاعضاء، فالكل مشبوه في شبكة الاتهام.
لكن القسم الأكبر من المسؤولية يظل من نصيب الشعب الكويتي الذي يجب ان ينهض بجميع طوائفه وبكل أطيافه، عبر منظمات المجتمع المدني والجمعيات المختلفة، بالمطالبة المتشددة في الوقوف على الحقيقة دون تزييف، وأن يواصل الضغط على النواب جميعهم، لكي يكشفوا عن الذمة المالية لكل منهم، مع استمرار الثقل السياسي والاعلامي على المترددين الذين لا توحي تصرفاتهم بالثقة والذين ما زالوا يختبئون خلف العموميات من الأقوال والمفردات، دون دحض مقنع لما يدور من اشاعات تتداول فيها اسماؤهم.
ومن يتابع المشهد البرلماني في هذه الظروف يلاحظ غياب الزخم النيابي في التعامل مع الواقع المزعج، مع عدم استشعار خطورة ما أصاب البرلمان من اهتزاز في سمعته وفي فاعليته، ولست متفائلا بوجود حماس جماعي من كافة النواب لكشف الستار، فقد أخفق الأعضاء في طلب عقد جلسة طارئة للبرلمان بعد الفشل في الحصول على 33 صوتا، فمهما كانت المبررات فالفشل تعبير عن واقع فيه المتردد وفيه المحرج وفيه المذهول.
وعندي شعور بأن التجمعات والمسيرات والمظاهرات التي تنظمها بعض التيارات بحاجة الى زخم شعبي جماهيري ليترجم الشعور العام بالغضب من السلوكيات البرلمانية ويحمل جدية محاسبة النواب الذين استسلموا لشعار )كثرة الفلوس تضعف النفوس( وهو النهج الذي أوصل الكويت الى وضعها الحالي، واذا كانت الحكومة ضعيفة ولا تستحق البقاء، كما يردد بعض النواب، فانها استطاعت البقاء سبع سنوات، لأن أكبر أسرار حياتها موجود في ملف النواب، فعلى الذين يريدون مطاردة الشيخ ناصر المحمد ان يبدأوا بأنفسهم وبزملائهم الذين صوتوا مع الحكومة ووفروا لها الحماية والبقاء طوال هذه الفترة، واذا أراد البعض، مجددا، اسقاط الحكومة، في ضوء الكشوفات الحالية، فالدستور يوفر لهم المجال وفق المادة 103 التي تشير الى عدم امكان التعاون مع رئيس الوزراء.
وبدلا من الغلاظة في الألفاظ ومن التهديد والوعيد، على المعارضين ان يسعوا في جهدهم للحصول على العدد المطلوب في عدم التعاون، بدلا من ادخال الكويت في ممارسة الاعتصامات المجدولة التي لن تحقق ما يريده المعارضون.
ولا أدري بأي روح سيلتئم المجلس الشهر القادم، بعد ان اتسعت الهوة بين الأعضاء في شكوك حول الاستقامة والطهارة، وحول ضياع اللياقة والنكوث بالقسم الذي فيه احترام للدستور والذود عن حريات الشعب والدفاع عن مصالحه وأمواله، مع اتهامات متبادلة بين الأعضاء، وتقاذف بين المتحمسين وبين الراغبين في التمييع الذين يدفعون بالتركيز على قضايا أخرى غير الحسابات.
وعلينا ان ندرك بأن الأجواء الملبدة والفوضوية البرلمانية تمنح القناصة من السياسيين البرلمانيين ومن غيرهم الذين يرون في هذه الأجواء الملبدة بالتوتر والانفعال، فرصة لتصفية حسابات وللحصول على مزايا عن طريق اظهار الولاء والحماس في الدفاع عن سلامة الاجراءات التي تبنتها الحكومة، ولا نحتاج الى دليل بارز لتشخيص تردد بعض النواب في التوافق والتوقيع مع أهل الحماس الذين يريدون استجواب الرئيس، فالذين يجرون أرجلهم في تردد لما تريده كتلتا الشعبي والاصلاح يعرفون دقة الحسابات وأسرار المعاملات، وأهل الكويت على علم، من متابعتهم للشأن البرلماني، بأن سلة القبيضة لائحة واسعة فيها أشكال وألوان، فالكويت الآن، بسبب هذا الخناق الحاد، تدخل ما يسمى وفق الأساطير اليونانية صندوق الشر، فالأسطورة تقول بأن الاله أرسل صندوقا Pandora Box، مملوء بالأشرار الى أحد المواقع مع الطلب بأن يبقى الصندوق مغلقا، لكن حامله، عصا الأمر، وانفتح الصندوق، فأصاب الجميع، الطيب والخبيث.
كان ابن خلدون، المؤرخ والفيلسوف، يحذر من انغماس الناس في ما يسميه جلب المنافع، وبلغة اليوم تحقيق المصالح الذاتية على المصالح العامة، ويحذر من مخاطره على المجتمع وعلى الدولة وعلى أصحاب السلطة، ويحذر أيضا من اتساع الفساد الذي ينتج جيلا مترفا ليس له من الصفات الحسنة التي يملكها المؤسسون، واقتبس كلماته [وبهذا تنحدر الدولة نحو الضعف والتسفل شيئا فشيئا حتى يتأذن الله لها عاجلا أو آجلا بالانهيار والسقوط].
«كما جاء في كتاب على الوردي – منطق ابن خلدون ص 139».
كيف سيخرج المجلس من المأزق الذي أدخلته فيه كثرة الفلوس وضعف النفوس؟ ومن الذي سيتولى تنظيف السمعة واعادة المصداقية؟ وماذا عن مستقبل المجلس اذا فقد الفعالية والتأثير؟ وما هي افرازات السقوط النيابي؟ بالتأكيد سيمس الضرر الكويت كلها، بجميع مشاربها وبمختلف أهوائها، ومن هذه الفوضى لدي شعور بأن خريطة سياسية جديدة ومختلفة ستتولد بوجوه شبابية ونيابية وبسجلات فيها تجاوب مع مبدأ الشفافية، وفيها تطور نحو مفاهيم المواطنة والتقليل من أعباء القبلية والطائفية، وستخرج الحياة السياسية الكويتية من الارتهان للمال السياسي وتمتثل لقوى التطور التي مهما تأخرت ستصل الى الكويت، وأتصور بأن نهج القبض والولاء المالي سيتقلص مع مجيء وجوه تحمل وهج الكويت الذي عشناه ونسعى لعودته..

أضف تعليق