كتاب سبر

العزاء في سليّل الجهراء

       وإذا أصيب القوم في أخلاقهم      فأقم عليهم مأتما وعويلا
حين تصل عزيزي القارئ إلى مجمع تجاري بالقرب من منتجع سياحي وترى في حديقة المجمع التجاري شباباً يقومون بعرض عضلاتهم فيما يسمى ظلما بكمال الأجسام على نغمات الموسيقى الصاخبة، فاعلم بأنك في الجهراء الحبيبة وفي منتجع سليّل الجهراء بالتحديد.
القائمون على منتجع سليّل الجهراء – هداهم الله – لم يقدروا للاسم الذي يحمله المنتجع قدره، ولم يعرفوا أنه سمي على مكان له قيمة في تاريخ الكويت، ولم يراعوا في مبادئ الأخلاق والأعراف إلاًّ ولا ذمّة حين ضربوا بكل ماسبق عرض الحائط .
القائمون على منتجع سليّل الجهراء – هداهم الله – أرادوا أن يضحّوا قبل أن يحل عيد الأضحى؛ خشية أن ترتفع أسعار الأضاحي، فقدموا كبشين أقرنين أحدهما كتب عليه (الحرام) والآخر كتب عليه (العيب) وذبحوهما بسكين المجاهرة، فأصبحوا لاهم من الذين يخافون ولا هم من الذين يستحون، بل أخالهم كتبوا على بوابة المنتجع عبارة “اللي اختشوا ماتوا”!! ماحدث ويحدث في منتجع سليّل الجهراء منذ فترة ليست بالبعيدة لا يرتضيه منصف يعرف لأهل الجهراء خصوصية تمسكهم بالعادات والتقاليد وشدة غيرتهم على محارمهم، وما حصل في يوم الجمعة الماضي ماهو إلا كالقشة التي قصمت ظهر الجمل، فجمل روّاد سليّل الجهراء قد ضاق ذرعاً بكثرة ما حُمّل، فالموسيقى الصاخبة التي أصبحت علامة بارزة لهذا المنتجع وما يحويه من مرافق أصبحت وسيلة طرد لا جذب لأهالي الجهراء ، بل إن تلك الموسيقى الصاخبة لا تتوقف حتى في رمضان، شهر الخير والبركة، بل تجدها تنافس أصوات أئمة المساجد وهم يتضرعون لله بالدعاء أن يحفظ بلادنا وبلاد المسلمين ويقينا شرّ الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأما التجمعات الشبابية التي أصبحت هاجساً يخيف كثيراً من العوائل ويثنيهم عن الذهاب للمنتجع دون رادع يردعهم لا من قبل رجال وزارة الداخلية ولا من قبل إدارة المنتجع، ومعارض التسوق التي تتصدرها صورة الممثلات المكرّمات من قبل القائمين على تلك المعارض تتقدمهن صورة ملك الافتتاحات – اللي ما يتسماش – والتي يقوم بعملها القائمون على المنتجع أسبوعيا؛ لتنفيع أصحاب تلك المعارض غير مهتمين بمدى تقبل العوائل لتلك المعارض التي باتت تضايقهم حين قضائهم بعض الوقت في المنتجع، ناهيك عن أن المنتجع لا يحتوي على مسجد ولا يرفع فيه صوت الآذان، والمصلى الموجود صغير ولا يتسع إلا لعدد قليل من المصلين، ولولا وجود بعض المحاضرات الدينية من فترة لأخرى في القرية الترفيهية لقلنا ما رأينا فيه من خير. 
لقد خاب ظن أهل الجهراء حين توسموا في منتجع سليّل الجهراء خيراً وظنوا أنه سيكون المتنفس الوحيد لهم في المحافظة بعد أن ذهبت مطالبهم بإنشاء واجهة بحرية أدراج الرياح، فهاهم يعودون مرة أخرى للمطالبة بمتنفس يأمنون فيه على نسائهم وأعراضهم من أي مضايقة أو تحرش.
والسؤال الذي يتبادر للذهن هنا هو: لماذا الجهراء بالذات؟! هل لأنها الحلقة الأقوى من حلقات تمسك المجتمع بعاداته وتقاليده بشهادة الجميع، وإن كسرت فما بعدها أيسر منها ؟! هل لأن القائمين على منتجع سليل الجهراء ليسوا من أهل الجهراء ولا يعرفون الخصوصية التي يتمتع بها أهل الجهراء ومدى حرصهم وغيرتهم على محارمهم؟! الجواب لك عزيزي القارئ… وأما الأخوة الرياضيون المشاركون في مسابقة كمال الأجسام فأقول لهم: إننا نعرف طيب مقصدكم وحسن نيتكم في هذه المشاركة، ولكن ما هكذا تورد الإبل، فاتقوا الله في أنفسكم ولا تكونوا أداة في يد غيركم ممن يريدون هدم الأخلاق والفضيلة تحت ذرائع شتى على رأسها الحرية في ممارسة الأنشطة الرياضية، واعلموا أن مثل هذه الرياضات مكانها الصالات المغلقة في الأندية الرياضية.
وللأخوة الذين هبّوا؛ لإنكار المنكر غيرة على دين الله أولا ثم على محارمهم أقول: الحكمة الحكمة والرفق الرفق فماكان الرفق في شيء إلا زانه، ومانزع من شيء إلا شانه، وحذار أن يتسبب إنكاركم للمنكر في حدوث منكر أكبر من الأول، واعلموا أنكم في بلد مؤسسات وقوانين، كما أرجو ألا تشنعوا على من خالفكم الرأي في مسألة مقاطعة المنتجع حتى يعتذر لأهالي الجهراء، وألا تجعلوا من تلكم المقاطعة حدّا فاصلاً بين الرجولة والدياثة وبين نصرة الدين وخذلانه، واستمروا في اتخاذ موقف حازم مما حدث فإن تساهلتهم اليوم فأبشروا بالمزيد مما يسوؤكم.
ولمن شنّع على من قام تسجيل موقف حازم تجاه تلك الحادثة حتى لا تتكرر، وتحجج بحجج هي أوهن من بيت العنكبوت، مختبئاً خلف نصوص عامة يحفظها من الدستور، أقول له: إن الحريات لا تعني الانسلاخ من الدين ولا من القيم، كما أن الحريات لا تعني التعدي على حريات الآخرين بإقامة ما لايحبذون رؤيته في العراء على مرأى الجميع، وإن الدستور الكويتي قد حضَّ على الاهتمام بالنشء والأسرة مع الحفاظ على القيم والأخلاق، فقد جاء في المادة (9) ” الأسرة أساس المجتمع قوامها الدين والأخلاق وحب الوطن، يحفظ القانون كيانها ويقوي أواصرها “، وجاء في المادة (10) ” ترعى الدولة النشء وتحميه من الاستغلال وتقيه الإهمال الأدبي والجسماني والروحي”، وجاء في المادة (49) ” مراعاة النظام العام واحترام الآداب العامة واجب على جميع سكان الكويت”، فهذه هي مواد الدستور الذي راعى الجانب الأخلاقي وجانب الآداب العامة ولم يهملهما.
وإني لأعجب أشد العجب من أناس تتركز عندهم الحريات في ما فيه معصية الله عز وجل، فتراهم يعتبرون لبس المايوه من الحرية الشخصية وفي الجانب الآخر يرون لبس النقاب تخلف ورجعية، فأين إيمانكم الباطل بالحريات؟! .ختامها مسك: قال تعالى: “إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون “.   
منصور الغايب
Copy link