آراؤهم

مطالب الشعب السوري

لا لبس ولا غموض في مطالب الثائرين في سورية من أدناها إلى أقصاها: (نريد حماية دولية، ومنطقة عازلة، ولا حوار مع القتلة، والمجلس الوطني يمثلنا).. هذه مطالب الشعب السوري تطلقها حناجر المتظاهرين واللافتات التي يرفعونها خلال مظاهراتهم الليلية والنهارية، ومن أجلها يقدمون في كل يوم عشرات الشهداء والجرحى ومئات المعتقلين والمهجرين، وأي معارضة لا تكون صدى لهذه المطالب لا تكون وفية لدماء الشهداء والجرحى ولا تمثل الشعب السوري ولا الثائرين.
(مالنا غيرك يا الله) هتاف لجأ إليه المتظاهرون رداً على الصمت العربي والدولي على المجازر التي يرتكبها النظام السوري بحقهم منذ أكثر من سبعة أشهر، كانت حصيلتها أكثر من أربعة آلاف شهيد وضعفهم من الجرحى وأضعافهم من المعتقلين والمهجرين، والفرص تمنح لهذا النظام القاتل مرة من تركيا ومرة من روسيا وأخيراً من الأشقاء العرب.. فكم تريد أيها العالم بعربه وعجمه أن يقدم الشعب السوري من الشهداء والجرحى والمعتقلين والمهجرين حتى يهتز ضميركم وتنتفض إنسانيتكم وتكفوا يد هذا القاتل وتوقفوه عند حده؟!
اجتمع وزراء الخارجية العرب واعتقد السوريون أن هناك موقفاً حازماً سيصدر عن هذا الاجتماع أقله تجميد عضوية سورية في الجامعة العربية، والاعتراف بالمجلس الوطني الذي جاء بتوافق وإرادة الشارع السوري الثائر، وتوجيه إنذار صريح وواضح لهذا النظام القاتل بالتوقف عن جرائمه، ونقل السلطة بشكل سلمي إلى المجلس الوطني، وتقديم من تلوثت يداه بدم السوريين إلى محكمة عربية أو دولية عادلة، وإذا ما رفض النظام قبول هذا الإنذار والرضوخ له فإن وزراء الخارجية العرب سيلجئون إلى مجلس الأمن ويطلبون تدخلاً دولياً يكونون هم جزءاً منه، بالطريقة التي يراها وتحقق وقف شلال الدم والانتقال السلمي للسلطة في سورية.
اجتمع وزراء الخارجية العرب وسمعوا كلاماً من مندوب النظام السوري يوسف الأحمد أقل ما يقال فيه أنه كلام وقح بعيد عن الأدب والدبلوماسية، يحمل في مضامينه الصلف والغرور والتعالي والتهكم والغمز واللمز، وذلك قبل أن يصدر الوزراء العرب أي بيان حول ما اجتمعوا لأجله.
وقد فاجأ يوسف الأحمد مندوب النظام السوري في الجامعة وسفيرها في القاهرة وزراء الخارجية العرب بكلمته التي شن فيها هجوماً وقحاً على الجامعة العربية ووزراء الخارجية العرب، ووصف اجتماعهم الطارئ (بأنه غريب ومريب). وأعرب عن أمله بأن لا يكون من (دعوا إلى هذا الاجتماع “مطية” لأجندات أجنبية غربية ضد سورية والأمة العربية). 
وقد رد الشيخ حمد بن جاسم رئيس الجلسة الطارئة على المندوب السوري بقوله إن (دول مجلس التعاون الخليجي لم تطلب عقد هذا الاجتماع إلا من أجل الإصلاح وإنهاء الأزمة في سورية، وليس له أي علاقة بأي أجندات أجنبية، وأن دول مجلس التعاون ليست مطية لأحد).
وشن الأحمد هجوما لاذعاً على دول (مجلس التعاون الخليجي) التي دعت إلى هذا الاجتماع دون أن يسميها، واتهمها بالتجييش والتحريض من خلال فضائيات تدعي المهنية، وهي بعيدة عنها تماماً حسب رأيه. وقال إن هذه الفضائيات (يقصد بها الجزيرة والعربية) تلفق الروايات حول مجازر لم تحدث، وشهود عيان غير موجودين لفبركة مظاهرات ومجازر لم تحدث.
وجاء في كلمة مندوب النظام قوله (لقد جاء توقيت الدعوة إلى عقد هذا الاجتماع غريباً ومريباً ونرجو ألا يكون مرتبطاً بشكل أو آخر بفشل تحرك الولايات المتحدة الأميركية وأتباعها الأوروبيين ضد سورية داخل مجلس الأمن الدولي)، وقال أيضاً في كلمته (وندعو جامعة الدول العربية كي تتمثل موقف كل من روسيا والصين في التصدي داخل مجلس الأمن الدولي لسعي الولايات المتحدة الأميركية والقوى الغربية من أجل جعل المجلس مجرد أداة للتدخل في شؤون الدول واستهداف سيادتها وقرارها الوطنيين وبحيث لا تصبح هذه الجامعة مجرد مطية للأجندات الأميركية والغربية التي باتت تعمل باستخفاف ووقاحة ضد المصالح العربية وضد الأمن القومي العربي).
بهذا الأسلوب الخشن وبهذه العبارات اللاذعة والوقحة وغير المسئولة تحدث مندوب النظام السوري باستعلاء، مكيلاً للعرب الاتهامات بالعمالة والسعي لتنفيذ أجندة أخفق العدو في تنفيذها في المحافل الدولية ووصم وزراء الخارجية العرب بأنهم مطية لهؤلاء الأعداء.
وكان الشيخ حمد قد وصف في كلمته، عند افتتاح الجلسة، ما يجري في سورية بالأوضاع التي (تتطور بصورة خطيرة جراء استمرار عمليات القتل والعنف في ظل عدم وجود أية بارقة أمل للوصول إلى حل لهذه المشكلة .. مما يحتم علينا كأشقاء عرب أن نجتمع ونتدارس الكيفية التي تمكننا من المساهمة في الحل واتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لوقف العنف وإراقة الدماء). 
وأوضح (أن استمرار الوضع على ما هو عليه في سورية دون حل يحملنا مسؤولية تاريخية أمام الشعب السوري والأمة العربية، الأمر الذي يحتم أن يكون لجامعتنا الموقرة موقف واضح وصريح من هذا الوضع، وأن يساهم في إيجاد حل سريع يرتضيه الشعب السوري، وبدون ذلك فإن مكانة الجامعة العربية ومصداقيتها لدى الأمة العربية ستكون على المحك) .
وأضاف (أنه يقع على عاتقنا اليوم مسؤولية تعزيز مكانة الجامعة العربية من خلال اتخاذ القرار المناسب). 
في حين قال الأمين العام لجامعة الدول العربية الدكتور نبيل العربي (إن تداعيات الأزمة في سورية تؤثر على المنطقة كلها، إذ إنها تشكل واحدة من أشد الأزمات التي تؤثر على العالم العربي).
وأضاف: (إن الموقف في سورية خطير ويتطلب وقفاً فورياً للقتل والعنف، كما أن الوضع الميداني لا يزال في منتهى الخطورة؛ لذلك فإنني أدعو المجلس للقيام بدور لمساعدة سورية؛ للخروج من المأزق الراهن في إطار حل عربي خالص).
واستطرد: (إن منطلقات معالجة الأزمة تتمثل في: أنه لا يمكن السكوت على أعمال القتل في سورية، وأن الجامعة العربية عليها مسؤوليات كبرى إزاء الأزمة السورية وهي الأولى بالمبادرة والتحرك من أجل التوصل لحل عادل يحقق تطلعات الشعب السوري ويحميه ويحافظ على أمنه، وأنه لابد من وقف كافة أشكال العنف والقتل).
وجاء في البيان الختامي لاجتماع وزراء الخارجية العرب الذي تلاه الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الذي رأس الاجتماع أن المجلس الوزاري للجامعة يؤكد مجددا على (الموقف العربي المطالب بالوقف الفوري لكافة أشكال العنف والقتل ووضع حد للمظاهر المسلحة والتخلي عن المعالجة الأمنية تفاديا لسقوط المزيد من الضحايا والانجراف نحو اندلاع الصراع بين مكونات الشعب السوري وحفاظاً على السلم الأهلي وحماية المدنيين ووحدة نسيج المجتمع السوري). 
وشكل وزراء الخارجية لجنة وزارية برئاسة وزير خارجية قطر وعضوية وزراء خارجية الجزائر والسودان وسلطنة عمان ومصر والأمين العام للجامعة العربية مهمتها الاتصال بالنظام السوري لوقف كل أعمال العنف والاقتتال ورفع كل المظاهر العسكرية وبدء الحوار بين الحكومة السورية والمعارضة في داخل سورية وخارجها.
وجاء في القرار أن الجامعة العربية ستشرع في (إجراء الاتصالات اللازمة مع الحكومة السورية وأطراف المعارضة بجميع أطيافها للبدء في عقد مؤتمر للحوار بمقر الجامعة العربية خلال 15 يوماً).
ما فهمته من بيان وزراء الخارجية العرب أنهم يطالبون النظام السوري بالوقف الفوري لعمليات القمع الوحشي التي يرتكبها بحق المتظاهرين وسحب المظاهر المسلحة من الشوارع والرجوع عن الحل الأمني وعدم التعرض للمتظاهرين السلميين، وتسمية وفده إلى القاهرة للاجتماع مع المعارضة السورية بجميع أطيافها، دون التحفظ على أحد، برعاية الجامعة العربية وتحت مظلتها، للحوار والوصول إلى تفاهم حول التغيير الشامل لطبيعة النظام الشمولي الحالي إلى نظام ديمقراطي تعددي وتداول سلمي للسلطة، يقوم على انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف دولي وعربي للوصول إلى الدولة المدنية التي تحكمها المؤسسات والأنظمة والقوانين خلال 15 يوماً، وإذا رفض النظام السوري طلبات الجامعة العربية وتنفيذ شروطها خلال خمسة عشر يوماً فإن الجامعة ستضطر لاتخاذ إجراءات صارمة بحق النظام السوري، قد تصل إلى اللجوء إلى مجلس الأمن لاتخاذ الإجراءات اللازمة والكفيلة في حقن الدماء ووقف مسلسل القتل العبثي والمجنون، وما علينا إلا الصبر والانتظار والثبات والمثابرة في التظاهر بقوة وكثافة، وعدم رفض ما جاء في بيان الجامعة حتى لا نُحمل مسؤولية إخفاقه وفشله، بانتظار ما ستفعله الجامعة العربية بعد انتهاء هذه المدة، وبعد ذلك لكل حادثة حديث!! 
Copy link