كتاب سبر

خطاب عبدالجليل… وشعارات المتلونين

يرتقي منبره ليلقي كلمته الأولى بعد هلاك القذافي فتنتكس رؤوس الطغاة من المحيط إلى الخليج ويتساءلون فيما بينهم: من التالي ؟! يبدأ كلمته بشكر الله عز وجل ويخرّ ساجداً فترتعد فرائص الذين يجبرون الشعوب على السجود لهم من دون الله عز وجلّ ويعلمون حينها أن الملك لله يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء، ويعزّ من يشاء وإن كان في ظاهره ذلّ وتمريغ للوجه في التراب، ويذلّ من يشاء وإن كان في ظاهره عزّ في القصور الفارهة.
يقف شامخاً كالطود ليلقي كلمته فتسبح العقول في الفضاء عائدة إلى عصر النبوة؛ حيث خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، والتي أتت بعد أن هلك الطغاة واستتب الأمر، والتي قرر فيها أن أحكام الجاهلية قبله كلها موضوعة تحت قدمه، فيصدح بها عالياً “ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية موضوع” ثم يردفها بثانية “ألا إن ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا عمي العباس” ثم يعززها بثالثة “ألا إن دماء الجاهلية موضوعة وأول دم أضعه دم ربيعة”، هي لبنات من لبنات تأسيس الدولة بعد أن ولّت الجاهلية إلى غير رجعة.
بنفس تلك اللبنات أراد مصطفى عبدالجليل رئيس المجلس الانتقالي في ليبيا أن يبني ليبيا الجديدة، ليبيا الحرة، ليبيا عمر المختار، ليبيا المسلمة المعتزة بإسلامها، ليبيا الفتاة التي شاخت؛ بسبب هول ما رأت من ظلم القذافي، فأعلنها أيضا مدوية لتصمّ آذان كل طاغية مناوئ لدين الله بأن كل القوانين المخالفة للشريعة الإسلامية إبان حقبة القذافي فهي موضوعة تحت الأقدام ولا كرامة لها.
سيحاول عبدالجليل ومن معه إتمام بنيان ليبيا بمثل تلك اللبنات، ولكنني أجد أنه من الصعب أن يبلغ ذلك البنيان تمامه مع وجود كثير من معاول الهدم التي يحملها من لايريد أن تقوم للدين قائمة:
                                      متى يبلغ البنيان يوما تمامه   إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
وأعتقد بأن الأعداء سيجلبون بخيلهم ورجلهم؛ ليحولوا دون قيام ليبيا مسلمة، وسيتحرك الغرب قبل الشرق لإجهاض هذا المشروع الذي لايزال جنينا في رحم المجلس الانتقالي، وسيساعدهم في ذلك بعض المتلونين ممن أيّد الثورة ابتداء والذين لم تعجبهم مخرجات هذه الثورة، فأصبحوا يظهرون لها العداء بعد شوطٍ طويل من التأييد، وأظنهم سينجحون.
لقد ساهم خطاب عبدالجليل في إسقاط الأقنعة عن وجوه بعض من أيد الثورة ظانّا أن نتائجها ستوافق هواه، كما ساهم بتهافت الشعارات الزائفة عن احترام خيارات الشعوب والمتضمنة العديد من الاستثناءات غير المعلنة، حتى أصبحنا نرى العديد من السهام توجه صوب تلك الثورة باكراً بعد نجاحها بتشويه صورة قادتها تارة، وبتشويه صورتها هي بالكلية تارة أخرى متذرعين بتصرفات فردية لبعض أفرادها من الظلم تعميمها على الثورة ككل، وباتوا يروجون بأن الثورة الليبية لم تكن ثورة دينية ابتداء، ولو أنهم أمعنوا النظر منذ البداية في وجوه أولئك الشباب، في لحاهم، في تكبيراتهم المتتالية، في ابتسامات شهدائهم لعلموا أن الثورة كانت دينية من بدايتها.
وأما من يدعي أن الثوار لا يمتلكون حق تحديد مصير ليبيا والليبيين من بعدهم فأقول له: “إن كان هؤلاء الأبطال لا يمتلكون الحق فمن الذي يمتلك الحق ؟!”، إن كان الذين حملوا أكفانهم على أيديهم وواجهوا الرصاص بصدور مشرعة لا يمتلكون الحق فمن الذي يمتلكه؟! هل يا ترى الجبناء الذين اعتادوا على قطف ثمار الثورات التي يقودها الشجعان هم من يمتلكون الحق في تحديد مصير ليبيا ما بعد القذافي؟! الجواب واضح بيّن لكل منصف، والأيام حُبلى.
Copy link