أقلامهم

تفاصيل مأساة بنت الوزير في مقال ل بدور المطيري

 بدور المطيري
يوم كنت بنت الوزير
أشعر بمعاناة أبناء وبنات الوزراء فمع التعيينات التي تتم أصبح نصف الشعب وزراء سابقين، لماذا يتغيرون على الرغم من أننا نعرفهم حين يصبحون وزراء لماذا يجبرهم المجتمع نفسه على التغيير حتى يتناسب مع الكرسي الجديد، أستطيع ان أتفهم ذلك فقد كنت يوما ابنة الوزير ولكن!.
مازال هذا اليوم عالقا في ذاكرتي، فبعد يوم دراسي متعب وأنا أجر قدمي جرا نتيجة الحقيبة المدرسية التي أثقلت ظهري وجعلتني كسنام الجمل، ما ان دخلت المنزل حتى وجدت العديد والعديد من الزائرات وقد غصت بهن صالة المنزل ووصل بهن الأمر الى الوصول للمطبخ، ورائحة البخور والعطور قد وصلت الى آخر الشارع، ذهلت من هذا وكأنني أخطأت المنزل وبدأت في الصراخ للبحث عن أمي وسط تكدس نسائي كبير واللواتي كن يتلقفنني للسلام علي واحتضاني بقوة كادت تكسر عظامي الصغيرة، وكل منهن تردد لي «بدور ما عرفتيني؟» لأجيب بالنفي وترد كل منهن بأنها «خالتي فلانة» والتي تربطنا بها صلة قرابة من الدرجة العاشرة على الرغم من أنني لم أرها مطلقا قبل اليوم، ولم يرحمني من هذا سوى ظهور أمي فجأة وهي ترتدي أفخم ما لديها وتسحبني من يدي الى الطابق العلوي وأنا أصرخ بفزع «يما شصاير؟» لتنظر الي والابتسامة تعلو شفتيها «أبوج صار وزير». لم أفهم وأنا ابنة التسع سنوات معنى هذه الجملة وماذا يعني بأن والدي أصبح وزيرا قبل ان تدخل زوجة خالي وهي تحمل بشتا أسود معلقا وسط يباب وزغاريد النساء في الصالة التي كانت تعبرها للوصول الى الدرج المؤدي للطابق العلوي وكأنها عروس في الزفة فيما انشغلت أمي في تعطيره وتبخيره ثم بدأت تسدي لي مجموعة من النصائح بأن حياتي الآن تغيرت لأنني أصبحت بنت الوزير وبأن علي ألا ألعب مع بنات الفريج وان أكون مغرورة وشايفة نفسي قبل ان تذكر الجملة التي انهرت بسببها وهي ان علي تغيير مدرستي لتتناسب مع مستواي الحالي كوني بنت الوزير وستقوم بالسؤال عن المدارس الأفضل والتي يوجود بها بنات الوزراء أمثالي! توسلت اليها بالدموع بأنني لا أستطيع تغيير المدرسة لأنني أحب صديقاتي ومعلماتي ولا أود تركهن ولكن ذلك لم يشفع لي أمام إصرارها على تغيير المدرسة لم يقطع حديثنا سوى جرس الباب ليتضح أنها ابنة جيراننا لتقول لنا «أمي تسلم عليكم وتقول عندكم طماط؟» أصرت والدتي على ان تعطيها كل ما نملك من الطماط فهي زوجة الوزير وعطيتها تختلف عن غيرها، قبل ان يتفتق الى ذهنها بأن عليها تغيير المنزل والجيران والفريج «بكبره» ليتناسب مع مستوانا الجديد فلا يعقل ان يكون جيراننا بهذا المستوى!
كانت الساعة تشير إلى الثالثة عصرا قبل ان يدخل والدي الى المنزل ويرى الأفواج النسائية التي تعج به وتنحنح لعبور الصالة والتوجه الى الطابق الأعلى فيما كانت النساء تردد «مبروك تستاهل «وحين رأى أمي سألها عن سر الزائرات، لتوضح له بأنها حين اتصل بها باكرا من عمله وبشرها بأنه تم تعيينه وزيرا فقد قامت بنشر الخبر للجميع الذين حضروا للتهئنة «شخصيا» وبالطبع لم يكن وقتها هناك الهواتف النقالة أو الانترنت أو الشريط الأخباري بل نشر الخبر يتم بجهد الشخص نفسه واعترف بأن جاراتنا لم يقصرن في الاجتهاد المشترك بضمير كعادتهن!
مازلت أتذكر نظرة الفزع التي حلت بوالدي قبل ان يقول لها بصوت مبحوح «إنها مجرد دعابة منه واليوم هو الأول من ابريل ولم يتوقع ان يتطور الموضوع هكذا»، كل ما أتذكره وقتها أنها توجهت لمنزل جدي وسط دموعها قبل ان تأخذ معها البشت الأسود الذي أحضره خالي، فيما ظل والدي يردد «ظلموه» وظللنا لعدة أيام نتغدى ما يعده والدي من «بيض وطماط» ورغم ذلك فقد كنت أنا الأكثر سعادة بأنني لن أصبح بنت الوزير وما تتطلبه من تغيرات سلوكية واجتماعية مزعجة لي.