أقلامهم

بدرية البشر: عندما شاهدت تمثال صدام حسين وهو يسقط في ساحة الفردوس على يد جنود أميركيين صبغت شعري باللون الأبيض

بدرية البشر
لحظة تاريخية بقرشين
عندما شاهدت تمثال صدام حسين وهو يسقط في ساحة الفردوس على يد جنود أميركيين آمنت أنني أعيش لحظة تاريخية صبغت شعري باللون الأبيض، شعرت أنني هرمت وأنني أعيش لحظة تاريخية كتلك التي كلما حكت عنها جدتي قالت “الله المستعان”.
رحت أقلد جدتي وأُأرخ لأحداث حياتي لحظة سقوط تمثال صدام حسين، قبل وبعد، ظناً مني أنها لحظة تاريخية لا تتكرر في العمر إلا مرة واحدة، لكنني كنت مخطئة، فلم يلبث الزمن أن عاد بثورة تونسية بدأت بحرق محمد البوعزيزي نفسه وامتلأت الشوارع بالناس قلنا إنها مجرد أحداث ثانوية، حتى وقف أمام شاشات التلفاز بن علي وقال قولته التاريخية: “فهمتكم”، ثم هرب.
يالها من لحظة تاريخية، لم يمر شهر إلا وميدان التحرير يمتلأ بمليون متظاهر ويقف مبارك مرة أخرى أمامنا ويقول “مش حرشح نفسي تاني”. هذه هي اللحظة التاريخية الحقيقية، لكن هذا كذب. جاءت اللحظة التاريخية، تنحي، ثم قامت ثورة اليمن، يالها من لحظة تاريخية، خرج اليمنيون وصاحوا وغنوا “ارحل”، فرد عليهم علي صالح “فاتكم القطار”، فردوا عليه “ارحل شلوك الجن”، ثم قصف قصره مجهولون لعلهم الجن، وذهب للعلاج في الرياض وعاد يقول لشعبه “لقد مت 15 يوماً وعدت إلى الحياة”، كان بصحبة الجن إذن.
ثم قامت ثورة ليبيا، لن يصدق أحد من أحفادي لو حكيت له عن القذافي الذي فجّر لوكيربي والمقاهي والطائرات، وأن شعبه كسر حاجز الخوف وثار ضده، وهذه حكاية طويلة ستملأ المقال، لأنها ثمانية أشهر من اللحظات التاريخية، لكن الحدث التاريخي الذي قضى على آخر شعرة سوداء في شعري لحظة القبض عليه وسحله هو وابنه.
أنظر خلفي لأقيس المسافة الزمنية من لحظة الفردوس فلا أصدق أنها كانت أقل من عشر سنوات. من “فهمتكم” مروراً بـ”من أنتم” و”فاتكم القطار”، كم لحظة تاريخية عشناها، الله المستعان.
لقد كثرت لحظاتنا التاريخية حتى هرمنا بحق ولم نعد نسمع إلا الله المستعان، أصبحت اللحظة التاريخية التي لا يعيشها المرء إلا مرة واحدة في العمر وقد لا يعيشها أبداً من كثرتها بقرشين، صرت تصحو الصبح وأنت تقول استعنا بالله على اللحظة التاريخية في هالصباح، تخاف تفتح باب غرفتك فتصدمك لحظة تاريخية.
حين قبضوا على القذافي كنت غاضبة من زوجي لا أحدثه، لكن لحظة تاريخية جاءت ولابد أن يخبرني ما أدراني أن لحظة تاريخية ستأتي وأنا غاضبة منذ ساعة، فما كان منه إلا أن فتح التلفاز ورفع صوته، ثم قال: “خل عنك الزعل وتعالي شوفي هالحظة التاريخية”.

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق