آراؤهم

لقاء مع وزير سابق.. وسابق لعصره!

اليأس من الحاضر، تذكرة سفر للماضي، واليأس والقنوط من واقعنا السياسي المشتابك المؤلم، دفعني للرحيل إلى لماضي، و تحديداً لبلاد الأندلس في قرطبة، فما إن سمع الوزير الشهير المنصور ابن أبي عامر، والذي بدأ حياته حمالاً وانتهى وزيراً عظيماً، حتى استضافني وسط الدمستق والحرير، وبدلاً من أنقل الحاضر إليه، وجدتني أستجدى واقع الماضي بين يديه. ووجدت السؤال ينزلق من لساني: 
الحاضر: كيف تختار وزراءك؟ ما هي أسس الاختيار؟ وهل يجب أن يكون الوزير من بني مطرون.. عجمون.. من بني التيّار.. أو من آل البيت الأطهار!
الوزير: إن للإمارة والوزارة شأن عظيم عقلاً وشرعاً، إذ صرح القرآن والسنة باتخاذ الوزير والاستظهار به في التدبير ألم يقل ربنا (واجعل لي وزيراً من أهلي) وقال (وجعلنا معه أخاه هارون وزيراً) قال العلامة الواحدي في تفسيرها : أي ملجأً ومعيناً، وقال رسولنا صلى الله عليه وسلم:” من ولي شيئاً من أمور المسلمين وأراد به خيراً جعل له وزيراً صالحاً إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه، وإذا أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء إن نسي لم يذكره وإن ذكر لم يعنه “، وهناك العديد من الآثار الواردة بهذا الشأن لا يتسع المجال بذكرها.
الحاضر: مهلاً مهلاً، هل تريد أن تخبرني أن كنتم تنظرون للإمارة والوزارة من هذا المنظار العقلي والشرعي وأنه مهم لهذه الدرجة عند الساسة والعلماء .
الوزير: ليس هذا فحسب، بل حتى أهل اللغة والأدب .
الحاضر: يا لهذه المزحة أيها الوزير!!، فما شأن أهل اللغة والأدب الذين ليس لا يشغلهم إلا الوصف والمدح وغيرها من أمور المجون والشجون؟؟ .
الوزير: نعم حتى أهل اللغة والأدب، دعني أسألك سؤالاً .ما الذي تفهمه من كلمة وزير؟
الحاضر: هذا سؤال سهل جداً، الوزير هو شخص يختار ولي الأمر ليساعده في ولاية معينة فيقوم بمهامها وأعمالها نيابة عنه، ويشترط أن يكون من أهل قبيلة معينة أو حزب معين أو مذهب معين حتى يكون أهلاً لهذه الولاية !!.
الوزير: أهذا كل ما تفهمه من كلمة وزير ؟؟!!
الحاضر: نعم فهل هناك أمر آخر ؟؟!!
الوزير: إذن اسمع مني ما نعرفه ونفهمه من كلمة وزير، أولاً إن أهل اللغة والأدب قالوا في اشتقاق كلمة الوزير، أنها من الوزر أي الثقل لأن الوزير يحمل عن الولي أثقاله، وثانيها أنها مشتق من الوزر وهو الملجأ، فولي الأمر يلجأ لرأي الوزير ومعرفته وتدبيره، وثالثها أنها مأخوذة من الأزر وهو المظهر ومنه قوله تعالى :”أشدد به أزري” أي قوي ظهري، فولي الأمر يقوى بالوزير كقوة البدن بالظهر .
الحاضر: كلام جميل يا سعادة الوزير، وأظن أنكم لا تختلفون عنا كثيراً بهذه الإضافة اليسيرة.
الوزير : ألا تظن أن تسرعت قليلاً لأنني لم أنتهي من كلامي بعد .
الحاضر: عذراً لتسرعي لكنني لا أظن أن هناك أمر آخر .
الوزير: إذن فاسمع، كان ولاتنا عندما يختارون أحداً لولاية أو وزارة يبعثون له ببرقية ..، فقاطعته : نعم ببرقية منمقة يباركون له فيها بالمنصب الجديد ويحثونه على التوسط لابنائهم وسرعة أنجاز معاملاتهم !
الوزير: لا أبداً، بل كانت برقية فيها من الدروس والعظات التي يخطها ولي الأمر لكي يجعلها الوزير أما عينيه في كل أمر يتخذه أو قرار يصدره، وأذكر من البرقية التي وصلت إلي : انتبه أيها الوزير، أن من انتصب لهذه الوظيفة لزمه النهوض بمهمات الدولة بأن يحمل أثقالها ويصلح أحوالها ويحفظ رجالها وينمي أموالها،وعليك أن تستخدم الكفاءة الثقاة وتوليهم أعمالهم وتلزمهم بالعدل، وتحذرهم عاقبة الظلم ووباله، وتنذرهم نكال الظلمة والخونة، ثم عليك أيها الوزير أن تتفقد أحوالهم وتراعي تصرفهم في أشغالهم، والتطلع سراً وجهراً لأقوالهم وأفعالهم، فمن وجدته ناسياً فذكره، أو غافلاً فبصره، ومن أخطأ عن سهو فاعذره، ومن أحسن منهم في عمله وقام بواجب حقه، خصه بزيادة رعايتك وأعلي مكانه واشكره، ومن خان عهد أمانته وفرط في ولايته عاقبه واعزله وعزره.
الحاضر: أعجبتني جداً أن يعاقب ويعزل من يوليه الوزير على أمر من أمور الوزارة، فهذا أمر نفعله بعض الأحيان عندنا، لكن الأصعب منه أن يعزل الوزير نفسه !!
الوزير: بل هو الأسهل، فالذي يقصده ولي الأمر من هذه الوصايا والتوجيهات الوزير أولاً قبل عماله، لكنه لا يذكرها تأدباً معه وخلقاً، وعندي من الحوادث العديدة التي عزل فيها الوزراء لمخالفتهم هذه الوصايا والتوجيهات التي أدت إلى فساده وفساد عماله !!
الحاضر: غريب أيها الوزير أن لم تذكر ما يخص أموال الدولة التي يعمل فيها الوزراء، ألا يوجد بالبرقية شيء من هذا الأمر؟ أم أن ولي الأمر لديه من الثقة بوزراء بحيث لا يذكرهم!!
الوزير: أحسنت يا بني لتذكيري بهذا الأمر المهم، فمما أذكره بخصوصه أن البرقية لم تنس هذا الأمر إذ جاء فيها : ويجب على الوزير أن يعتني بجهات الأموال وحراسة أسبابها، وفتح أبوابها وضبط حسابها، وبث الإحسان في مظان اكتسابها، واعتماد العدل والإنصاف في استخراجها واجتلابها، ومراعاة زكاتها وأجور العمال المستحقين لها، وعدم الإسراف في صرفها بما لا فائدة فيه ولا طائل، فهذه جهات الأموال جعل بيد الوزير زمام استخراجها ومكن من استيفائها بسلوك طريقها ومنهاجها، وفوض فيها حقوقاً تجب رعايتها عند صرفها وإخراجها .
الحاضر: ألا ترى يا سيدي أن هذا الأمر ثقيل على الوزير القيام به لوحده !!
الوزير : هذا صحيح، بيد أن الوزراء كانوا يعينون لهم من المستشارين الذين يساعدونه في هذا الأمر، وقد ذكرت البرقية شيئاً من هذا بقولها : فإذا أقام الوزير في جهات الأموال نواباً بين لهم تفصيل هذا الإجمال، وحرضهم على حسن التوصل إلى استخراج الأموال، وعرفهم الطرق المؤدية إليها لئلا يشتبه الحرام بالحلال، وأمرهم باتباع الحق واجتناب الباطل على كل حال .
الحاضر: إنها هذه البرقية سيدي الوزير أحق أن تكتب بماء الذهب لعظم معانيها وشرف مراميها، لكن ألا تظن أنها نسيت شيئاً مهماً لم تذكره كبقية دساتيرنا وبرقياتنا ؟؟!!
الوزير: وما هو؟؟
الحاضر: الصفات الواجب توافرها في الوزير المختار، الذي سيحمل عبء ومهام الوزارة، ولا تقل لي أنها ذكرت كلمتي القوة والأمانة بدون فهم دقائق معانيها، لأنه قد ظهر في عصرنا عدد من الصفات المهمة التي تمكن الوزير لحمل أمانته .
الوزير : وما هي ؟
الحاضر : أن يكون من عائلة معروفة، أو يكون من حزب أو مذهب معين أو طائفة معينة، ولا يشترط أن يكون مؤهلاً من الناحية العلمية أو العملية التأهيل الكافي، فالمهم أن يكون وزيراً ذو قوة وأمانة فحسب !!، وبعد ذلك يجب مراعاة الفريق الوزاري بشكله النهائي فنراعي ونرضي جميع أطياف المجتمع وأشكاله حتى تتم الموازنة بشكل كامل، ونبتعد عن التأزيم المتوقع .
الوزير : لم أفهم ما الذي تعنيه بقولك نراعي ونرضي والتأزيم، فهذه مفردات لم نعرفها في عصرنا، لكن ما أعرفه بخصوص صفات الوزير ومؤهلاته ما كتبه المأمون في اختيار وزير للقيام بهام إحدى الوزارات :” إني التمست لأموري رجلاً جامعاً لخصال الخير ذا عفة في خلائقه واستقامة في طرائقه، قد هذبته الآداب، وحنكته الوقائع، وأحكمته التجارب، إن ائتمن على الأسرار قام بها، وإن قلد بمهمات الأمور نهض فيها، نطقه العلم، ونسكه الحلم، له صولة الأمراء، وحكمة الحكماء، وتواضع العلماء، وفهم الفقهاء، إن أحسن إليه شكر، وإن ابتلي بالإساءة صبر، يسترق قلوب الرجال بحلاوة لسانه وحسن بيانه، ولا يبيع نصيباً من يومه بحرمان غد ” .
الحاضر : أذكر لي ما الذي جنته قرطبة من وزرائها وما الذي استفادته منهم ؟؟
الوزير : جنت قرطبة من ثمار أعمالهم وأعمارهم أن أصبحت مدينة العلم والعلماء، فقد اشتهرت قرطبة بالعلماء والشعراء، والكثير منهم كانوا من أهل الحكم أو البيت الحاكم، مثل الخليفة الحكم، والشاعر أبي عبد الملك مروان حفيد عبد الرحمن الثالث والخليفة المستعين بالله، والوزير أبو الغيرة بن حزم وهو ابن عم فيلسوف قرطبة الشهير محمد بن حزم، والوزير عبد الملك بن جهور، والوزير المصحفي، بالإضافة إلى عشرات بل مئات العلماء في كافة المجالات كابن طفيل وابن رشد وابن باجه في الفلسفة، وأبو عبد الله القرطبي في العلوم الشرعية، والقاضي أبو الوليد الباجي وأبو الحسن على بن القطان القرطبي في الحديث النبوي، ومنذر بن سعيد قاضي الجماعة بقرطبة، وزَرْيَاب الموسيقى، وابن عبد ربه اللغوي الأديب، وغيرهم وغيرهم.. 
الحاضر : سؤالي الأخير يا سيدي، هل للمرأة دور في بناء قرطبة العظيمة ؟
الوزير : اشتهرت المرأة القرطبية في المجال الثقافي، فنذكر ولَّادة بنت الخليفة المستكفي الشاعرة الأديبة صاحبة الصالون الأدبي الشهير، ومريم ابنة يعقوب الشاعرة الأديبة، وعائشة بنت أحمد التي كانت مربية ومعلمة لأولادي وبناتي . 
الحاضر : هل من نصيحة تقدمها لي ولأمتي ؟
الوزير : ما سبق مما ذكرته كانت ثمرته قرطبة التي كانت القلب النابض لبلاد الأندلس العظيمة، فاسع وقومك على أن تجعلوا من وطنكم قلباً لأمتكم العربية والإسلامية، وقد قلت في ذلك : 
هِمَمُ الملوك إذا أرادوا ذِكْرَهَـا          مـن بَعْدهـم فَبِألْسُـن البنيـان

أَوَ ما تَرَى الهرمَيْن قد بقيا وكم           مَلِكٌ محـاه حوادث الأزمـان

إن البنـاء إذا تعاظـم شأنــه          أضحى يَدُلّ على عظيم الشان
الحاضر: كان هذا لقائي مع الوزير السابق وشكراً
أحمد عبدالله العومي
طالب دراسات عليا في بريطانيا

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق