مسارات الشيوخ
محمد عبدالقادر الجاسم
ما هي المساحة المتاحة أمام رئيس مجلس الوزراء المكلف الشيخ جابر المبارك لتحقيق «التغيير» وفي أي اتجاه؟
قياسا على تجربة ناصر المحمد، فإن لحركة الشيوخ السياسية اتجاه واحد فقط وهو اتجاه معاكس لفكرة الحريات وللنظام الديمقراطي. فخلال السنوات التي تلت وفاة الشيخ عبدالله السالم ولغاية تولي ناصر المحمد رئاسة الحكومة (1965ـــــــ 2006)، كانت الفكرة المركزية للحركة السياسية للشيوخ هي التخلص من النظام الدستوري المعارض للسلطة المطلقة، إذ تم تزوير الانتخابات وحل مجلس الأمة بغير الطريقة الدستورية وتم إنشاء مجلس شورى، أما في عهد ناصر المحمد (2006ــــــ 2011) فلم تتغير الفكرة المركزية وإنما تغير الأسلوب وأصبح «احتواء» الحريات والنظام الدستوري بدلا من المصادمة، مع اقتران «الاحتواء» ببعض مظاهر الدولة البوليسية من خلال الملاحقات السياسية وسجن المعارضين واستخدام متكرر للقوات الخاصة وضرب الناس وأعضاء مجلس الأمة والتهديد المستمر باستخدام القوة لفض الاجتماعات العامة وتكثيف دور مباحث أمن الدولة.
الآن، وقد ثبت فشل أسلوب «المصادمة» وأسلوب «الاحتواء» المصحوب ببعض مظاهر القوة أيضا، هل يشهد عهد الشيخ جابر المبارك بداية لأسلوب جديد من أجل تحقيق الغاية ذاتها، وهي تقليص الحريات وإفراغ النظام الديمقراطي من محتواه، أم يشهد عهده إقرار الشيوخ بعجزهم عن تحقيق «حلم الحكم المطلق» وبداية التصالح مع الدستور ومن ثم تسيد الاستقرار السياسي وانطلاق التنمية؟
من خلال معرفة الواقع السياسي لدى الشيوخ يصعب توقع اتجاههم صوب حالة التصالح مع الدستور، والأرجح أن يستمر العمل على تقليص الحريات وتفريغ الدستور من محتواه بأساليب جديدة، وسوف يكشف عن هذا التوجه تشكيل الحكومة الجديدة ومدى نزاهة الانتخابات القادمة. ولعل أهم أسباب عدم قدرة الشيوخ على الدخول في مصالحة مع الحكم الدستوري الديمقراطي ومتطلباته أنهم مازالوا يتدالون «الفكر القديم» الذي توارثوه من عهد المغفور له الشيخ أحمد الجابر، فتجربة المجلس التشريعي وما تلاها من أحداث في العام 1939 حاضرة في الإذهان، حتى أن بعض أتباع الشيوخ يرددون اليوم أن الحركة الشعبية الراهنة تهدف إلى إضعاف الشيوخ وسلبهم سلطتهم. إن استمرار هذا الفكر متعب للشيوخ ومؤذي للدولة، ومع إيماني الراسخ بأن الحالة العدائية مع الدستور والحريات سوف تختفي خلال السنوات القليلة القادمة، إلا أنني أتمنى أن يجرب الشيوخ حالة الحياد والتصالح مع الدستور.. فهذه الحالة هي التي تعيد لهم اعتبارهم وتقيهم والكويت معهم عوادي الأيام.

أضف تعليق