آراؤهم

على رسلك فلا تذهب بعيدًا يا عبد الباري عطوان

على رسلك يا عبد الباري عطوان فسورية ليست كما تعتقد بأنها باتت قاب قوسين أو أدنى من الانزلاق إلى حرب طائفية تأكل الأخضر واليابس ويقتل فيها الأخ أخاه على الهوية أو الانتماء، فسورية التي تضرب جذور حضارتها ورقيها ومدنيتها في عمق التاريخ لأكثر من سبعة آلاف سنة لن تضحي بهذا الإرث العظيم لأجل عيون أفاك أثيم، أو طاغية مستبد، أو حاقد لئيم، وأن ما تسوقه في مقالك (سورية على طريق العراق) لن يجد على أرض سورية أي يد تسقي نباته أو تغرس شجره، وإن ما جاء في مقالك (لنكن صرحاء ونعترف بأن الشرخ الطائفي في سورية يتسع بسرعة خرافية، ويلعب النظام والمعارضة دوراً كبيراً في هذه الكارثة، ويتقاسمان المسؤولية كاملة، بمساعدة قوى خارجية على رأسها جامعة الدول العربية) جانبك الصواب فيه، فالمعارضة السورية بكل فسيفسائها العرقية والدينية والمذهبية والطائفية والفكرية لن تدخل سورية على ظهر دبابة مهما كانت جنسية صانعها أو قائدها، كما فعلت المعارضة العراقية، وأن المعارضة السورية مهما تباينت أفكارها وألوانها وأطيافها هي على قلب رجل واحد في مواجهة هذا النظام الباغي المستبد، تستمد قوتها من عبق دماء شهداء الثورة الذين من بينهم أبناء وأشقاء وأبناء عمومة ورفاق المنضوين تحت مظلة هذه المعارضة الوطنية التي يمثلها المجلس الوطني الذي بايعته جماهير الثورة السورية عندما خصت اسم أحد جمعها بجمعة (المجلس الوطني يمثلنا).
لا أظنك يا أستاذ عبد الباري عطوان لا تعرف سورية وأنت ابن الشام.. ولا أظنك تجهل طينة أهل سورية التي جبلت على الطيبة والتسامح والترفع على الجراح مهما كان غورها واتساعها، فالشام هذا هو قدرها منذ فجر التاريخ ولا تزال.
ولعلك تذكر يا أستاذ عبد الباري عطوان المجزرة البشعة التي ارتكبها المجرم حافظ الأسد بحق مدينة حماة أبي الفداء وأهلها في شباط من عام 1982، والتي تحل ذكراها بعد أيام قليلة، راح ضحيتها ما يزيد على أربعين ألف مواطن أعزل بريء، وساوى فيها أكثر من ثلثي أحياء المدينة بالأرض بما فيها من دور عبادة وتراث، وبقي هذا الطاغية حاكماً فرداً لأكثر من ثلاثين سنة حتى أهلكه الله، وورثه ابنه بشار الأسد فاستقبله السوريون بالبشر والتفاؤل والأمل دون أن يحمّله السوريون وزر أبيه، عملاً بقوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)، وانتظروا من هذا الطاغية الصغير أن يصحح ما ارتكب أبوه من جرائم لأكثر من أحد عشر سنة، ولكن هذا الطاغية الابن؛ أبى إلا أن يكون سر أبيه، فأعلن الشعب ثورته السلمية عليه وعلى نظام أبيه الاستبدادي الذي ورثه، وعمت هذه الثورة المدن السورية والبلدات والقرى من شمال البلاد إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، وتصدى لها هذا الطاغية الصغير بكل وسائل القمع الوحشية والجهنمية التي يملكها، أدت إلى استشهاد ما يزيد على سبعة آلاف متظاهر سلمي، وأضعافهم من الجرحى والمفقودين والنازحين والمهجرين والمعتقلين. 
وراح هذا الطاغية الصغير ينفخ في بوق الطائفية النتنة، مسخراً بعض ضعاف النفوس والمستفيدين من نظامه من أبناء الطائفة العلوية لجر البلاد إلى حرب طائفية لا طائل منها إلا دمار البلاد وإزهاق الأرواح، ولكنه وحتى الساعة لم يفلح في تحقيق نواياه، فلا تزال الطائفة العلوية تنأى بنفسها عن الانجرار وراءه، وقد أعلن عقلاء الطائفة في العديد من البيانات تنديدهم بالقمع الوحشي الذي يمارسه هذا الطاغية متبرئين منه ومن فعاله، ويدعون عامة أبناء الطائفة إلى عدم الانسياق وراء ما يدعوهم إليه بشار الأسد، وينتظر الشعب السوري مواقف شجاعة وثابتة وصريحة وواضحة من الطائفة العلوية تجاه هذا الطاغية، وينتظرون منها مشاركة فعالة في التظاهرات السلمية التي تعم البلاد، وقد لاحت بوادر هذه المشاركة في تظاهر أهل محافظة طرطوس ومدينة مصياف ذات الأغلبية العلوية فيهما، وقبلها شاركت مدينة السويداء ذات الأغلبية الدرزية، ومدينة السلمية ذات الأغلبية الإسماعيلية، وقد سبق في المشاركة قبل هؤلاء المسيحيون بكل طوائفهم ومذاهبهم وراح من بينهم الكثير من الضحايا، وهذا ما يجعلنا نؤكد للسيد عبد الباري عطوان أن سورية لن تنجر إلى أية حرب طائفية كما حدث في العراق، وأن الشعب السوري بما عرف عنه من نباهة وفطنة وذكاء وشجاعة وعفة وحلم وكبرياء لن ينزلق وبأي حال من الأحوال وفي أي ظرف من الظروف إلى حرب طائفية نتنة، يريد الأسد الصغير جره إليها، مهما اتبع من أساليب خسيسة وأفعال دنيئة وجرائم مهولة أو مرعبة، تارة بحق أهل السنة وأخرى بحق العلويين أو الدروز أو الإسماعيليين أو المسيحيين، فلا مشكلة ولا عداوة بين أهل السنة والطائفة العلوية أو الطوائف الأخرى، وقد تعايشوا معاً لقرون بكل ود واحترام بعقد اجتماعي سلمي يقوم على الشراكة البناءة في كل الأحوال والظروف التي عاشتها سورية قديماً وحديثاً. 
Copy link