آراؤهم

ثقافة الاعتذار

الاعتراف بالخطأ من الأمور الثقيلة على النفس فالتصريح عن فعل ينقص من قيمة الإنسان في أعراف هذه الأيام يزيد النفس حرقة ويكون ألمها كبيرا وعلى الرغم من حرارة الذنب والخطأ-لأصحاب القلوب الحية- ومحاولة النفس التنفيس عن الخطأ عبر الاعتراف يشعل نارا أخرى لهبها القهر وحطبها الحسرة والخوف .
لماذا لا يكون للاعتراف دور ايجابي عند بعض البشر هل نسيان الماضي هو ما يمنع تقبل مثل هذا الأمر أم أن ألم الخطأ وفداحة الذنب هي التي لا تزال تؤثر في قرارات الطرف الآخر وهل لتغير ثقافة الاعتذار من جيل لآخر دور في عدم الاهتمام بالاعتذار أو ربما كان لتكرار الاعتراف بالخطأ دور في اختفاء بريقه وذهابه وهل الاعتذار ثقافة يغفل عنها الكثيرون؟
هذه التساؤلات دارت ولا زالت تدور في ذهني منذ فترة طويلة لا أجد لها جوابا سوى أن النفوس والأنماط البشرية أنواع عديدة تؤثر فيها الخلفيات الثقافية التي جاءت منها وعاشت فيها طفولتها كما أن للرصيد العاطفي وطريقة التنشئة دور كذلك ، هل تصدقون أن هناك من يعبّر عن الاعتذار بمهاجمة الطرف الآخر وضبط مجهر كبير فوق أفعال من يقابله حتى يتصيّد أخطاءه وبذلك يشعر بتعادل الكفة فذنوبه وأخطاؤه أمام أخطاء خصمه متساوية وبذلك تتحقق العدالة ولا يكون في المعركة خاسر.
هل صادفتم في حياتكم من تسحب منه الاعتذار سحبا حتى أنك تشعر بالتعب بعد أن تخرج الاعتذار من قيده! ، وبعد أن تيأس من المحاولات الخفية غير المباشرة لإجباره على الاعتذار تلجأ إلى تعرية موقفه بالحقائق والبراهين فإذا صار في زاوية الحرج التي لا يستطيع أن يهرب منها قال لك بكل برودة قاتلة :أنا آسف!!
  وربما يكابر بعضهم وهم في هذه الزاوية فيقول لك قد حباك الله بملكة الإقناع والتحليل ووهبك فصاحة اللسان فقلبت الخطأ إلى صواب والصواب إلى خطأ ولا أستطيع أن أجاريك فيما تقول. بالله عليكم هل هناك عاقل يصدق بأن الأسد يخرج من البيضة أو أن السماء أمطرت عصيرا بدل الماء فالحقائق سميت كذلك لأنها أحقت أمرا أي أثبتته فالحقائق لا يمكن أن تتغير وإلا فهي ليست حقيقة وهل يعرّف المعرّف؟ بالطبع لا يعرف ولكن من يقول هذا القول يتمسك بكل وسيلة تبعده عن الاعتذار حتى ولو تمسك بقشة خيالية لا تقصم ظهر بعوضة.
طبيعة العلاقة بين الطرفين هي من تحدد نوع المشكلة وطريقة الاعتذار فالزوجان اللذان يعيش كل طرف منهما في واد يرى أن الخطأ خطأ صاحبه لأنه هو من يسكن الوادي المثالي وعلى الطرف الآخر أن يأتي ليعيش معه ولا يترك لنفسه المجال ليفكر هل من الممكن أن يكون الطرف الآخر محقا ! وماذا أخسر إن جربت فإن أعجبني الأمر اعتذرت ومضيت في حياتي وإن كان في الأمر ما كنت أخشاه عدت إلى حيث كنت وكان لي شرف التجربة.
وكذلك الصاحبان اللذان يختصمان لأن طريقة تفكيرهما اختلفت فأصبح لزاما على أحدهما التنازل عما يعتقد من أجل الحفاظ على الصداقة ، وقد يتساءل قارئ وما دخل الاعتذار بخصومة الأصدقاء وتغّير أفكارهم ! أم أنك تسطر هذه الكلمات لتملأ بياض الأوراق دون فائدة!.
وأقول إن من أسباب ثقل الاعتذار على النفس هو اختلاف المفاهيم فما أراه أنا خطأ تراه زوجتي صوابا وما يعتقد صديقي بأنه عيب أنظر إليه أنا على أنه حرية شخصية ، وما أطمح إليه أنا يراه غيري غباءً وتهورا ولذلك لا تطالب أحدا بأن يعتذر من شيء لا يؤمن به بل الأجدر أن تتركه في حاله خير لك من مطالبته باعتذار غير مدرج في جدول اهتماماته.
ولولا أن تقولوا بأنني أبالغ لقلت لكم يجب علينا أن نعتذر ممن نتدخل فيما يظنون –أي بأفكارهم- حتى وإن كانت أفكارهم خطأ لأن تعرية الآخر وتقبيح فعله دون رغبه منه في قبول ما نقول خطأ لا يقبله أحد تقولون فأين قول المصطفى “الدين النصيحة” وأين أنت من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟.
لنتأمل لو أننا نصحنا أحدهم ولم نهيئ له الجو المناسب للنصيحة ولم نقتنص الفرصة الملائمة أتراه يقبل منّا؟ بمعنى لو أن هناك رجلا لا يصلي وأنا على يقين بأنه لا يصلي وأخذت أنصحه لماذا لا تصلي فلم يقبل مني وعدت فعاد لعناده وإذا تتبعنا ماضية لوجدنا أنه كان مصليا وبسبب فتور أصابه تمكن الشيطان منه فجعل من حرص والده الشديد عليه تدخلا في الشخصية ونصح زوجته له تعاليا على رجولته فبالله عليكم كيف يقبل شخص كهذا منا النصيحة أولسنا مدينين له باعتذار لأننا لم نعرف كيف ندخل إليه وربما جعلناه أكثر عنادا من ذي قبل.
الاعتذار ثقافة وعلينا أن نعتذر من أنفسنا أولا لأننا لم نفهمها ونحاول فهم من حولنا وإن اختلفت أفكارنا معهم فلو كان كل واحد يعتقد أنه على صواب لصرنا الذين اجتمعوا في غرفة مغلقة ثم تحدثوا مع بعضهم وعلت أصواتهم وخرجوا يقولون هل سمعت ما قاله لقد كان على خطأ! كيف سمع ما قاله غيره في وسط الضجيج لست أدري؟