أقلامهم

صالح الشايجي: لي والنوم حكاية تحكى ورواية تروى!

 سيفٌ نابٍ.. وقولٌ نابٍ.. وقلبٌ أصفر!

صالح الشايجي

بين الرباط ومراكش.. أربع ساعات خضراء..
في مهرجان لا تكذب قصائده..
النوم.. حق مكفول للموظفين فقط..
ساعتي البيولوجية.. لا تعمل وفق التوقيت الأميركي..
رجل لا تعدّ معايبه!
أربع ساعات خضراء
أكتـــب جزءا مــــن هذه الـ «قيلولة».. وأنا في القطار في رحلة صباحية جميلة ومنعشة.. من الرباط ـ عاصمة المملكة المغربية ـ إلى المدينة الحمراء.. مدينة «مراكش» التي تتميز باللون الموحد لمبانيها وهو اللون الأحمر الفاتح أو البرتقالي الغامق.. 
تستغرق الرحلة بين المدينتين ما يزيد على الساعات الأربع بربع ساعة في القطار.. ولكن رغم طول هذه المدة.. فإن الملل لا يتسرب إلى نفس المسافر ما يجعله لا يستعجل الوقت للوصول.. كما يحدث عادة في السفر.. وذلك لأن جل الرحلة إن لم يكن كلها تكون بين الحقول الخضراء على الجانبين في منظر طبيعي يبعث البهجة في النفس .. لاسيما إذا ما كانت تلك الرحلة تبدأ في الفجر المبكر.. ثم تشرق الشمس لتبعث خيوطها بين خضرة الحقول في منظر يعود بالإنسان إلى فطرته بتعلّقه بالطبيعة البكر.. حيث المراعي الخضراء والبهائم ترعى من خيرات الأرض المعطاء بصمت.. والمزارعون منتشرون في ساحات حقولهم الخضراء.. يرعون زرعها.. وكأنهم يشذبون قصائد الأرض التي ستلقيها في مهرجان عيد الأرض..
الأرض هنا في عيد دائم.. وفي مهرجان لا تكذب قصائده..
شعراؤه لا يبيعون أشعارهم ولا يتخذون منها زلفى..
وقصائدهم لاتتزين بغير زينتها..
قصائد ليست بحاجة إلى مشّاطة ولا نمّاصة ولا مزجّجة..
قصائد تتزين بحناء الأرض الخضراء..
ترقص على موسيقى النسيم الصباحي..
وفي الأصائل قبل الهجوع.. تودّع يومها برقص موقّع على نسائم المساء..
***
اخترت رحلة صباحية مبكرة تبدأ قبل الشروق بما يقرب من ساعتين.. لا لأنني محب للطبيعة فقط ولكن لأسباب أخرى لها علاقة بطبيعة نومي.. وستتضح في الفقرة اللاحقة..
فإلى هناك..
***
هذا السلطان الجائر
إن كان «النوم سلطانا» كما نردد ونقول ونكرر ما قاله الأوّلون.. فإنه بالنسبة لي «سلطان جائر» يخلو قلبه من الرحمة.. ولا تعرف الشفقة طريقها إليه..
فلي والنوم حكاية تحكى ورواية تروى..
وإن كان ذلك النحوي القديم الذي أضنته «حتى» وكوته بنارها وعذبته بتعدد أغراضها، قال: «أموت وفي نفسي شيءٌ من «حتى».. فإنني ألزم مسار ذلك النحوي وأقول قوله ولكن عن النوم فأقول : «أموت وفي نفسي شيء من النوم».. فبرغم هذا العمر الطويل الذي قضيته في هذه الدنيا فإنني حتى الآن وبعد الآتي من العمر ومن الزمان.. لم ولن أطبّع علاقتي مع النوم.. فمرة أنام كالدجاجة المثقلة بهموم أفراخها.. عند انبلاج أول نجمة في السماء وأصحو قبل الديك المعلن قدوم الفجر.. لأعيش ما تبقى من ظلام الليل والذي يعدل ما مر منه.. أي أنني أنام نصف الظلام.. وأصحو هزيع ليله الأوسط..
ومرة أنام متأخرا عن الليلة التي صحوت بها أمس..
وهي حالة ـ كما يقول الأطباء الذين لم أشكُ لهم أمري.. ولم أُسررْ لهم بعلّتي ـ تدل على اضطراب في الساعة البيولوجية..
وأنا لست من حملة الساعات ولا من «الكاشخين» بها.. ولا أقتنيها البتة.. وليس ذلك تكبرا مني على الساعة أو بسبب عدم اعترافي بها.. ولكن لعدم حاجتي إليها.. لأن حياتي ـ بحمد الذي خلقني وأحياني وسيميتني ـ فارغة من المواعيد.. فلا شغل ولا مشغلة.. وكأنني أعيش في صحراء أرعى إبلي.. وأحلب نوقها.. دونما حاجة لساعة تطوّق معصمي أو تتدلّى من عنقي..
ولكن هذه الساعة البيولوجية المضطربة على الدوام والتمام والكمال.. لا حيلة لي بها ولم أسع لشرائها ولا اقتنائها ولا عدّ دقائقها وملاحقة ثوانيها..
هي ساعة ربانية خلقت بها.. وقد أحسن خالقي صنعها ولكن الزمن وأهله أفسدوها.. وخرّبوا عامرها.. فصفصفت وطفطفت.. وحنجلت وبنجلت.. فصرت أنام والناس في صحوهم.. وأصحو والناس وحتى الديكة نيام..
***
في إحدى السنوات قضيت شهرا عند ابني في أميركا.. وطوال هذا الشهر لم تعمل ساعتي البيولوجية حسب التوقيت المحلّي لأميركا وضواحيها .. بل بقي نبضها كويتيا.. ودقاتها ودقائقها وساعاتها يقيت محتفظة بالتوقيت الكويتي.. فصرت أنام قبل أن يحل ظلام ليلهم.. وأصحو قبل أن يعود الساهرون إلى بيوتهم..
وكنت في زمان أزمن لا أحب الصحو المبكر ولا المواعيد المبكرة.. أما إن أرغمت على واحد منها وما كان في اليد من حيلة للتفكك منه أو تأجيله أو إرجائه.. تصيبني حالة قلق وأرق ويبتعد النوم عن عينيّ وأقضي ليلي متقلبا في فراشي على الجانبين.. كالمحب الولهان والعاشق الدنف الموله المولع الهيمان فيمن يحبها ويرجو سحائب الليل وسدفه أن تنجلي سريعا حتى يراها أو يرى من يراها..
***
وحدث مرة أن كان لي مراجعة صباحية في إحدى الوزارات.. وبما أنني في ليلتها لم أنم بسبب انشغالي بهذه المراجعة وكانت لأمر مهم.. وقد حرصت على الذهاب المبكر تخلصا من قلق الموعد.. وجاء وصولي إلى المكان المنشود قبل وصول الموظفين.. وما إن جلست في مكتب الشخص الذي سيقوم بإجراء تلك المعاملة والذي لم يكن موجودا وقتها ـ ويبدو أن نفسي قد هدأت واستراحت وذهب عنها القلق ـ لذلك رحت في نومة شبه محترمة لم أصح منها إلاّ على همهمات الموظفين الذين فوجئوا بهذا الكائن النائم الذي يحتل مقعدا بينهم.. ولم أدر ما كان يدور في بالهم وقد شهدوا هذا المشهد!
لم يحتج الأمر مني إلى اعتذار للسادة الموظفين الكرام.. بسبب اقتحامي مكاتبهم في ساعة سبقت ساعة قدومهم ودوامهم.. لأنني أعلم أن اعتذاري سوف يحرجهم هم.. فإن كنت أنا «السابق في النوم فهم اللاحقون».. وكل ما في الأمر أنهم استغربوا من نومي وأنا مراجع.. وكانوا يظنون أن النوم حكر على الموظفين وحدهم وليس للمراجعين الحق في ذلك.. فإن كان المراجعون سينامون فماذا يفعلون هم إذن ؟!
***

كذبه هو صدقه الوحيد
لحق «سيد القمني» الكاتب المصري المحب للّمعان وولوج أمور عصية عليه ـ كسبا للشهرة وإثارة الضجيج وتسليط الأضواء عليه ـ لحق بسلفه «أحمد رجب» فعزف على وتر ممزق ذي جعجعة وصرصرة وأزيز وطنين كطنين الذباب، هو وتر العنصرية والمعايرة والمكابرة والترفع الفارغ من كل مضمون ومحتوى، فأخذ سيفه يبقر به بطن الهواء في هراء ما مثله هراء، وليس للهراء من هدف إلاّ التنفيس عن احتقان الأحقاد في قلب صاحبه.
وذلك ما فعله «القمني» في رسالة نشرت له مؤخرا عاد بها إلى الوراء آلاف السنين وعشرات القرون ليؤكد أن العداوة قائمة منذ عهد الفراعنة بين مصر و «بدو الحجاز» أي بدو شبه الجزيرة العربية، ثم ضمّنها دعوته الفجة إلى الإساءة إلى السفير السعودي وأفراد السفارة السعودية في القاهرة بقول لا يليق بي نقله لتعففي عن ذلك المستوى المتدني من الإسفاف.. ولأنني أحترم قراء كلماتي الذين أجلهم عن ذلك التهتك اللفظي النابع من عقل متهتك ونفس سوداء لا ترى الشمس ولا تغتبق صبوحا!
***
وليس جديدا على «القمني» فعل مثل ذلك الأمر وهو الذي تراكمت عليه العيوب بقدر ما تسكبه السماء من مطرها على الأرض.. وإن كان مطر السماء خيرا على الأرض وإحياءً لها.. فإن عيوب «القمني» هي أيضا خير عليه.. فليس في تاريخ الرجل سوى العيوب يقتات عليها وتُظله تحت سقفها وتؤويه حيث لا سقف له ولا مأوى سواها..
لقد اخترقته العيوب من كل صوب بحيث لم تبق فيه جارحة من جوارحه لم تتدنس أو أنه دنسها بفعله..
فهو السارق والمارق والمصطف بقامته الفكرية العوجاء في صفوف العلماء والدارسين والباحثين والكتاب والمنظرين والمثقفين..
وهو المدعي زورا نيله شهادة الدكتوراه التي اتضح بعد البحث والتقصي أن الجامعة التي ادّعى حصوله على الدكتوراه منها ليس لها وجود على هذا الكوكب الأرضي الذي ضاق ذرعا بوجود «القمني» عليه وتثاقل خطوه على أديمه..
ولست بصدد تعييب المعيوب ولست أيضا صيادا لمثالبه متتبعا عيوبه.. ولست أهين نفسي في محاولة البحث عن ثقب فيه أضيف من خلاله معيبة لذلك المعيوب.. فالرجل قد كفاني حتى من تلك المهمة السهلة اليسيرة.. فقد غدا كتلة عيوب متحركة.. بحيث لم يبق عيب جديد يضاف إليه.. ولكنني ـ وأنا أكتب ما أكتب ـ بصدد استعادة التحذير من جر الأمم والشعوب إلى العداوات وإذكاء الفتن ممن قصرت بهم هممهم عن أن يكونوا ناسا أسوياء ينفعون الأرض وأهلها فراحوا يتسلقون أشواك الشهرة حتى وإن أصابتهم بمقتل أو جللت وجودهم بسواد العيب ليؤكّدوا دونيتهم وانسحاقهم وضعة معدنهم وسواد سريرتهم وعمق جهلهم..
***
ولا أظن مصر بحاجة إلى «القمني» لأن يمتشق سيف الدفاع عنها.. لأن سيفه نابٍ.. وقوله نابٍ.. وقلبه أصفر.. وليس من كان مثله يستحق شرف الدفاع عن مصر.. لأن مصر ليست محل اتهام من أحد حتى يتطوع أمثال «القمني» و«أحمد رجب» للدفاع عنها..
و«القمني» ـ بما قال وكتب ـ مستحق للازدراء.. ويكفيه ذلك فخرا.. وخير له من شهادة الدكتوراه المعطوبة التي لعلع فيها والتي رغم كذبها وكذبه بها.. فهي صدقه الوحيد!