أقلامهم

سعود محمد العصفور: سمكتي قد تعلقت بصنارة غيري …اصطادها ظلما

سمكتي!

د. سعود محمد العصفور
بلا صدر، أمخر عباب البحر لعلي أصطاد سمكة، أضع الطعم، وأرمي صنارتي، فإذا هي خاوية إلا من الطعم!
بحر هادر، فيه كل الأسماك إلا سمكة سنارتي، عزيزة هي، قريبة، بعيد المنال!
سمكتي قد تعلقت بصنارة غيري، واصطادها ظلما، وأجبرها على ابتلاع الطعم، لكنها أبت إلا أن تتحرر، وتجمع كل قواها، وتشحذ كل أسلحتها، وتوجهها دفعة واحدة، فتلفظ الطعم، وتكسر كل قيد، سابحة، غير آبهة من أخطار مفترسات الأسماك، سباحة هي عكس التيار الجارف، لكنها ماهرة، لا تدع موجة إلا ركبتها، وطوعت كل مياهها، فأضحت هي والموجة شقيقات بحر!
تسبح سمكتي الجميلة حتى تلامس سطح الماء، فتتنفس عبق الحرية الساحر، يأسرها جمالا ورقة، ولطفا، وتسبح في الجمال، وتغوص، وتغوص، حتى تصل إلى الأعماق السحيقة، وتلامس القاع، وتشعر بملوحة القاع، وألم ضغط مياهه على أذنيها، فتندفع بقوة، بكل البأس، لتسبح قريبة من السطح، باحثة عن طعم يختلف ذائقة عن طعمها الأول الممجوج.
أسماك القاع اشتكت سمكتي، قدمت كل الدعاوى، بحثت عن كل نقيصة، حسدا، نكدا، زورا، هدفها الفوز، رجاء كل الجائزة، طعم رائق، لا يقاوم البتة.
مسكينة سمكتي، لكنها ماكرة، دلها ودلالها، هي أسلحتها التي تدحض فيها كل الدعاوى، وتربح بها كل القضايا، لا ينافسها في ذلك واحدة تزعم أنها جنية البحر!
سمكتي تشتاق لكل كلمة أقولها، تقلبها في ذاكرة الأيام، فتجدها كل الأيام الباقية من عمرها، لا تعادلها شوقا، ولا تقاسمها غيرها في هذا الإحساس الجديد الماتع، يملك عليها كل إحساس، يأخذها إلى دنيا الجمال، تسافر معه إلى كل البلاد، وتركب له كل الصعاب، لتفوز بالطعم، بل تفوز بالصياد نفسه!
يا فرحة الصياد إن عرف شوقها، وذائقتها، وروعة إحساسها، إن هو اصطادها كانت له الدنيا بكل معانيها.
تقترب سمكتي لتشتم الطعم الذي أخذ عليها كل دنياها، فتنسى أو تتناسى كل شيء حتى صغارها، بل حتى بنات جنسها، وتقترب رويدا رويدا من الطعم، فتتذوقه، فيملكها، فتلتهمه بنهم، ويسري في كل عروقها، في كل شعيرات إحساسها، بحلاوة لا تعادلها سكاكر الحلويات جميعا.
سمكتي إن اشتاقت، تاقت لكل فعل يخرج عن أعراف بني البشر، شوقها جارف، تتألفني، تحتويني، بيد حانية، وعين لا تغفو إلا على أنفاس نومي، تباعد عن نفسها الوسن بأنامل تأخذني لأحلام الأطفال قبل يوم العيد.
أصحو لأرى أجمل وجه، بأعذب صباح تشرق فيه شمس حياتي بأنوارها التي تختلط بأنوار الفجر الصادق، تدنيني من ربي فأقوم شائقا لعبادة رب الأرباب، مزجي السحاب، أقوم وقد اشتقت إلى محياها الذي ينافس وجه القمر ليلة التم بياضا وبهاء.
يشوقني شوقها، وتسحرني ذائقتها المتجددة في حب الحياة كل يوم، بل كل الأيام أيامها، ما من يوم إلا والذي يليه أجمل منه، فالشوق بطعم الحنان، والشوق بنكهة الابتسام، والشوق بجمر العاشقين للوصال. أبد الأيام لا سكون، لا ملل، لا ضجر، بل عتاب الأحبة وتنافسهم في شدة الشوق.
أنس الزمان هي، روعة المكان هي، يزدان بها حقلي شذى، عبق الياسمين هي، تشتاق إلى رحيقها النحلة، وتحسدها البذرة في خيرها، إذا ما سُقيت بماء المكرمات، سخية، نقية، بقلوب الناس تفوز، وطيب الأطياب تحوز، لا تسمع إلا الود، أبد الدهر العهد والوعد.
كل الفنون سمكتي حازت، كل الأوصاف فيها تجلت، فما لأحد فيها نصيب، فهي سمكتي، لا تخرج من بحري، فهل لكم مثل سمكتي؟!