عند رحيل صاحبة الصوت الجميل ونبض القلب الأجمل .. وردة الجزائرية التي تركت البصمة على لهفة اللحن وبوح الكلمه.. حين فجأة موت كتب عنها أهل القلم وسيكتب عنها الأكثر فهي المرأة الزمن والفصول كلها .
الكاتب صالح الشايجي أبدع لغيابها وكرم ذكراها وعزف سيمفونية حياتها بحروفه التي تشكل قصيدة من ذهب.
.إلى قيلولته هذا الاسبوع حيث رحب بكل مساحتها لينثر سهوب الحب لوردة الجزائرية ولشمسها التي لن تغيب .
قيلولة: الجمهورية الوردية الثالثة
صالح الشايجي
إذا كان «الكلام من فضة».. فممّ يكون الغناء..
الشرق يلد الشمس.. والغرب يئدها..
جزائرية.. تؤسس جمهوريات مشرقية..
«أعجمية» اللسان.. تهزم سوق عكاظ..
طارت بجناحي.. «جميلة».. وكانت الآذان مهابط لها..
حين تزهو العروش
«اذا كان الكلام من فضة».. فإنّ الغناء.. من «وردة»..
غناء من ذهب..
وردة.. فاحت نصفين.. نصيبا مغاربيا.. وللشرق من فوحها نصيب..
تُصيب في الغناء.. ولا تخيب..
جاءت الى الدنيا «أغنية» جزائرية لبنانية.. من صلب جزائري ورحم لبناني..
أعجمية اللسان كانت.. وحين غنت هزمت سوق عكاظ..
وساوى كتفها اكتاف شعرائه..
غنت للملوك فزهت بغنائها عروشهم..
وغنت للصعاليك.. فأغنتهم عن تولي العروش..
عرفها مشرقنا قبل مغربه.. لان الشمس يلدها الشرق ويئدها الغرب..
وهي ـ الشمس ـ حيّة لا تموت الاّ الى حين.. ثم تعاود الحياة.. والموت المؤقت..
***
ذاكرتي الغنائية المدربة جيدا.. تقول لي ان ساحة الغناء عرفت «وردة الجزائرية».. اوّل ما عرفتها في النصف الثاني من خمسينات القرن العشرين.. وكانت بيروت ساحة الانطلاق لذلك الصوت الجزائري بل والمغاربي الاول الذي ينطلق من سماء الشرق..
وللدقة ـ فقط ـ فقد عرفت ساحة الغناء العربية المشرقية قبل وردة الجزائرية.. مغنية تونسية اسمها «حسيبة رشدي» ولكنها لم تمكث في الاسماع طويل وقت ولا كثير غناء.. فبعدما مثلت فيلما مصريا احسبه وحيدا.. قفلت عائدة الى بلادها البيضاء..
أمّا وردة الجزائرية.. فقد زرعت نفسها في ساحة الشرق حتى غدت نخلة باسقة.. حلوة الجنى.. طيبة الثمر..
منصة انطلاقتها كانت بيروت الخمسينات..
حيث بيروت..
حيث لا احد يحزن في بيروت..
حين كان البحر يرقص في بيروت..
والامواج.. كانت تغني..
والعصافير ترقص..
ذاك.. كل ذاك.. حين كانت «بيروت».. بنت لبنان..
قلب لبنان..
حاضرة لبنان.. وقبلة المولّين وجوههم.. شطر الفرح..
***
عرفتها اسماعنا.. وبلدها الجزائر نار ودماء..
وحرب تطحن اخضرها.. لتطعمه يابسها..
ومن علامات تلك الحرب.. كانت «جميلة بوحيرد».. التي استقرت في اذهاننا كبطلة تقاوم الاحتلال الفرنسي لبلادها.. وما تردد على اسماعنا من قصة وقوعها في ايدي المحتلين الفرنسيين وتعرضها للتعذيب والاهانة والاذى على ايديهم ليجعل منها الاعلام العربي ـ وكانت قيادته آنذاك ناصرية ـ اسطورة في البطولة والتضحية والفداء والعناء.. ثم اتضح انها مجرد تلفيقات اعلامية لا علاقة لها بالواقع.. وهذا ما أكدته «جميلة بو حيرد» نفسها بعد فك قيدها وتحرير بلادها حيث نفت تلك الصور كلها التي صورها بها الاعلام العربي الناصري.. وأكّدت ان شيئا من تلك الاهوال الذي تحدّث عنها الاعلام لم يحدث لها .. ولم تتعرض لذاك الاذى الذي صوّره الفيلم الذي حمل اسمها ومثلت دورها فيه الممثلة «ماجدة»..
***
كانت «وردة» جزءا من تلك الصورة المتخيلة عن جميلة المعذّبة.. فغنت لها اغنية «جميلة».. و«أظن جميلة لا يوجد سواها».. وكأنما نساء الارض عقمن عن انجاب «جميلة»..
***
تعاطُف الناس العرب مع جميلة بوحيرد وتكرار قصتها «وما تلاقيه من اهوال على ايدي المستعمر الفرنسي».. جعل من هذه الاغنية المدوّية في الضمائر العربية.. بابا واسعا دخلت منه وردة عالم الغناء ولتتربع في الاسماع العربية وتأخذ طريقها للشهرة..
وغنت في لبنان اغاني اخرى.. اذكر منها «على مفرق درب الحبايب واقف مستني»..
ثم حلقت طائرة الى مصر.. فكان باب مصر مثل قلبها.. واسعا يانع الخضرة.. وفي مصر بدأت الزرع الذي لا تسبخ ارضه.. ولا تتيبس اعواده ولا تصفرّ غصونه..
لم تبن «وردة الجزائرية» في مصر هرما.. ولكنها تسلقته.. حتى بلغت منتهاه..
هناك «محمد عبدالوهاب».. وهناك «فريد الاطرش».. وهناك ايضا «رياض السنباطي»..
وفي تلك الرياض درج صوت «وردة».. وتريّض وروّض الاسماع.. واستقر في سواكن القلوب فرجّها بمجذافه رجّا رجّا..
ومن مصر كانت الانطلاقة «الوردية» الثانية.. وضمها محمد عبدالوهاب.. الى جوقة المنشدين ألحانه التي كان يقدمها في ذكرى الثورة الناصرية.. على شكل اوبريتات غنائية تنشدها مجموعة من المطربات.. مثل شادية وصباح وفايزة احمد ونجاة الصغيرة وفايدة كامل ووردة.. وهن نجمات الغناء قي ذلك الوقت مطلع ستينات القرن العشرين..
ولعل اشهر تلك الاوبريتات اوبريت.. «وطني حبيبي.. الوطن الاكبر.. يوم ورا يوم امجاده بتكبر.. وانتصاراته مالية حياته.. الخ الخ»..
ورغم سذاجة تلك الكلمات وعدم واقعيتها.. فإن مثل تلك الاغاني كانت ذات صدى مدوٍّ عندنا.. وكنا نصدق «وانتصاراته مالية حياته».. رغم ما يقوله الواقع وما يفرزه من حقائق..
كنا حالمين ـ وما زلنا ـ نطير بأجنحة الحلم .. حتى لا نلامس ارض الواقع.. فتنكشف لنا سوءاته..
***
«وردة» تغني ويفوح اريج غنائها.. وكانت «جزائريتها» اضافة لها وشفيعا يقربها من القلوب العربية.. ودربا ميسرا لبلوغها الشهرة والوصول السريع الى الاسماع العربية الملأى بأخبار الجزائر سواء حين محنتها او بعد استقلالها وتحررها من الاستعمار..
ودخلت «وردة» عالم السينما وقدمت افلاما ساهمت في زيادة شهرتها لاسيّما أنها مثلت دور المغنية «ألمظ» درة غناء عصرها وجوهرة زمن سلف..
وتقلب صوتها بين انغام كبار الملحنين مثل فريد الاطرش ورياض السنباطي فضلا عن محمد عبدالوهاب.. ولعل ما ابدعه لها رياض السنباطي من ألحان في تلك الفترة اهم كثيرا من دروشات عبدالوهاب الوطنية.. وأوبريتاته التمجيدية بالزعيم.. ولكن ومع الاسف فان الشهرة والذيوع والانتشار كانت من نصيب خزعبلات عبدالوهاب لا ابداعات السنباطي..
ففي القصيدة التي غنتها للشاعر احمد مخيمر ولحنها رياض السنباطي ابداع وتجل لا يدانيه ابداع آخر وتتجلى فيها عبقرية السنباطي الموسيقية الذي اخرج الدرر الكامنات في صوتها الصداح والقادر على التحليق البعيد في فضاء النغم.. .اضافة للطرب والشجن في تلك القصيدة المغنّاة.
***
ومثلما.. «لأمر ما جدع قصير انفه».. فانه ايضا و«لأمر ما».. غادرت وردة الساحة الغنائية المصرية الستينية فجأة.. ولكن غادرت كاملة الاطراف فلم تفعل فعل «قصير» ولم تجدع انفها.. ولكنها حبست صوتها.. لتغيب لسنوات عن الغناء ـ على الاقل ـ في شقه المشرقي.. او ربما اغلقت فاها الى حين..
و«لأمر ما».. ايضا عادت «الوردة الجزائرية» الى مصر مع مطلع سبعينات القرن العشرين.. لتؤسس «جمهوريتها الغنائية الثالثة».. وصدق المصريون في قولهم «الثالثة ثابتة».. فقد ثبتت جمهوريتها الثالثة حتى الموت..
***
في «الجمهورية الوردية الثالثة» كان المجد الغنائي الحقيقي لوردة الجزائرية.. فلقد قادها ذكاؤها الى عصا تتوكأ عليها في مسيرها الفني.. وكانت تلك العصا.. في يد الساحر المسحور الملحن بليغ حمدي.. الذي تهبط الالحان في حضنه وتكون طوع ريشته المجنونة..
فوجدت النخلة الباسقة «وردة».. «نخّالها».. والعارف بأصول النخل.. وتطييب تمره.. وتشذيب اعذاقه.. وسكب لقاحه المعطر على الاسماع..
وكان بليغ هو ذلك «النخّال» البارع الذي يطوي بعصاه الساحرة طويلات النخل وباسقاتها.. فيهز جذعها لتساقط رطبها.. حلوا جنيّا..
وأعطت النخلة وبذلت طيّبها.. وألقت بثمرها وجادت بتمرها.. والحاصدون كثر يبدأون هناك ولا ينتهون هنا..
***
زادت قوافل السامعين.. ووُلدت اجيال ثم اجيال فأجيال.. وهي تسمع
«وردة».. التي يسكب عليها بليغ صافي نغمه.. وسواحر ألحانه الطروب الشجية..
هناك شموخ طروب.. وهناك ألحان تصطاد الاسماع من بعيد.. وهناك نهر جار بزلال الانغام ونميرها وحلو فراتها..
ولم يحبس بليغ نخلته الحلال في حديقته.. ولم يسورها بسور شائك.. بل اطلقها لهبوب الالحان الجارية.. فغنت وردة لعديد الملحنين ابدع ألحانهم.. وتجلى صوتها وانطلق فوق الآفاق.. بألحان الموجي وعبدالوهاب وحلمي بكر وآخرين.. حتى ادركت شباب الغناء وغناء الشبان.. قبل ان يدبر بها العمر نحو خواتيمه.. فغنت لصلاح الشرنوبي ـ خليفة بليغ حمدي ـ في الالحان المؤثرة وغزارة الانتاج.. ولكن عطاءه نضب سريعا وكف نهره عن الجريان..
وكانت شابة حين دنت من الغناء الشبابي.. وغنت للشرنوبي «بتونس بيك» وغيرها من اغاني مطلع تسعينات القرن العشرين..
***
ولكن الصوت يهن ويضعف ويشيخ.. والعمر درج يعتلي المرؤ درجاته درجة في اثر درجة.. وكلما قطع واحدة منها.. كان اقرب الى النهاية..
ووردة مع الاسف بالغت في تحدي العمر وتقلبات الزمن وشيخوخة الصوت فراحت تغني بعدما انكسر عودها وانشرخ صوتها..
عجفت تمراوات تلك النخلة التي كانت بالأمس يانعة.. وغدت بعدما كبر العمر عجفاء يابسة.. وفشلت في ذلك التحدي وأخفقت.. فجاء صوتها في غنائها الأخير.. عاجزا واهنا.. يستجديها السكوت والصمت.. ثم كان الموت لينهي مسيرة ممتدة لمطربة تجلت وجلت الأسماع..
غنت وأطربت ورقّصت وأفرحت وأحزنت وأبكت وأدمعت..
ماتت النخلة الطروب..
ماتت وردة الجزائرية..
***
لست ـ بهذا ـ أكتب سيرة امرأة..
ولا أسطّر تاريخ مغنية..
و لا أزجي الكلام. طوع البنان.. ورهن الورق..
ولا أبيع للقارئين.. كلاما مدسوسا..
ولا أتغزّل ولا أترحّم..
إنما ـ واذ اكتب عن وردة الجزائرية بعد موتها ـ فإنني أفي بدين طوّقتني به هذه المرأة..
هي لم تمد لي يدها بقرش..
ولم تمنحني «نظرة.. فابتسامة فموعدا فلقاء»..
ولم تنم يدها في يدي..
ولم تضرب لي موعدا.. ساعة الغروب..
إنّما ديْنُها المطوّقُ عنقي.. هو ديْن العطاء المرسل.. ذاك الغناء السائل المتطاير.. وذاك الطرب الذي يصوغ ذائقتي التي تهذّب خلقي.. فتمنعني عن اتيان المؤثم من سلوك البشر.. فلم أكذب ولم أعرّض ضميري لهبوب الرياح التي تقذف بها حينا فوق.. وحينا اسفل سافلين..
صوغ البيان الأخلاقي للناس وتهذيب سلوكهم الانساني .. امر ليس محل استعلاء او استهجان او تهوين.. هو امر عالي الاهمية.. امر عالٍ ليس باليسير ولا هو بالهيّن..
والفنانون هم الذين يصوغون ذلك البيان الأخلاقي..
***
ولكي نقع على حقيقة هذا الامر.. فلا بد ان نلتفت الى اولئك الذين يصــــدّون عـــن الفن ومناطق الجمال في الحياة فنرى سحناتهم المتجهمة الكارهة للحياة وللناس والراغبة عن مباهج الدنيا.. والمعادية للفرح في الحياة..
تلك النفوس الصلفة الغليظة.. هي في حقيقتها فاقدة القدرة على استلهام الجمال في الحياة.. لذلك هي تستبطن في داخلها فكرة إفناء الحياة وازعاج الناس ومضايقتهم..
نفوس لا تترطب ولا تتهذب.. وإنا لله.. وإنا اليه راجعون!


أضف تعليق