فوضى المناصب القيادية
د. يعقوب أحمد الشراح
تزخر الأجهزة الحكومية بالآلاف من القيادات بمستوياتهم الوظيفية المختلفة بدءاً من رئيس قسم وحتى وكيل وزارة يعملون في إطار هياكل إدارية معقدة ومتضخمة لدرجة انه يصعب فهم ما يجري أو تقييم أداء هذه الأجهزة التي بعضها يعاني شتى المشكلات، خصوصاً الترهل والتكسب من مواقعها المهنية. فالتضخم في عدد القيادات أدى ومازال إلى اختلالات كبيرة في الأداء والانجاز بسبب كثرة الخلافات والنزاعات وبيروقراطية الإدارة.
الناس تشتكي دائماً من ضعف أداء القيادات وقلة انجازها وفوقية التعامل ليس فقط مع المراجعين، وإنما أيضا مع العاملين في الأجهزة المختلفة. هذا الواقع رغم صعوبة علاجه أصبح عبئا ليس على الدولة فقط، وإنما أيضا على الناس الذين يريدون تحسين الأداء والانجاز وتسهيل شؤون حياتهم في إيجاد الخدمات المناسبة لكنهم يجدون أن معاملاتهم واحتياجاتهم متعثرة.
ويلاحظ في هذه الأجواء غير الصحية التكالب على المناصب القيادية في الدولة، واستماتة الأفراد على هذه المناصب بغض النظر عن الأحقية أو شروط توافر معايير القيادة. وكثيراً ما يتم اختيار الأشخاص للمناصب القيادية في غياب المعايير والتأثر بعوامل كالوساطات والضغوطات، وبالتوجهات السياسية والاجتماعية. فقد يتولى المنصب القيادي شخص محسوب على كتلة سياسية أو على طائفة بعينها لكنه غير مؤهل للمنصب، وقد يفضل شخص من خارج المؤسسة علماً أن الذين يستحقون المناصب متوافرون داخل المؤسسة ذاتها. ظاهرة كهذه تسلب حق الغير وتسبب الشعور بعدم العدالة بين العاملين، وتخطي حاجز القانون أو النظام.
هذه المناصب الذي يتسابق عليها الكثيرون بغض النظر عن خبراتهم ومؤهلاتهم وتخصصاتهم وكفاءاتهم في الإدارة والقيادة تتصف بعدد من المميزات المادية والأدبية، وهي بالتالي تتأثر بالتدخلات الشخصية والمساعدة أو الفزعة من المعارف وأصحاب النفوذ. فليس بغريب أن نلاحظ أناسا يتبوؤون مناصب قيادية في التربية والكهرباء والمواصلات وغيرها بينما هم ليسوا مؤهلين لقيادة مسؤولياتهم على الوجه الصحيح.
لا شك أن القيادة فن وإدارة وتمكن وعلاقات وطيدة وصبر وقدرات على التحمل، وقدرة على اتخاذ القرارات المناسبة وغيرها من معايير ينبغي أن تتوافر في الأشخاص العاملين أو المرشحين للعمل في المناصب القيادية، وما لم تتجسد هذه المعايير فإن قيادة العمل في الجهاز الحكومي معرضة للفوضى والتدهور، فنحن إلى الآن لا نملك سياسات حكومية لتعيين ومتابعة أداء القيادات حيث من السهل أن يمتد عمل القيادي سنوات متجاوزاً القانون بسبب التدخلات والوساطات، رغم ما يشكو منه الناس من سوء الإدارة وبيروقراطيتها.
ومن أخطر الظواهر التي نلاحظها في الجهاز الإداري للدولة سهولة انتقال الشخص إلى المناصب القيادية عن طريق النقل والتعيين من جهة لأخرى اعتماداً على الرغبات الشخصية. ونلاحظ ذلك في انتقال الأفراد من الجامعة أو مؤسسات أخرى للعمل كقياديين في أجهزة لا علاقة بخبراتهم وتخصصاتهم في الجهات المنقولين إليها. ناهيك عن أن الجهاز الوزاري نفسه يعج بكفاءات تنتظر حقها في الترقي للمناصب القيادية. فكيف نريد قيادة العمل لأشخاص ليست لديهم الخبرة والتأهيل والتدرج في الوظيفة؟
نتمنى أن يوقف مجلس الوزراء ظاهرة كهذه لما لها من تداعيات سيئة على الدولة مثل تدني مستوى الأداء، وتنامي عدم العدالة في التعيينات، وكثرة التدخلات والتحيزات في هذه التعيينات، وتعثر متابعة خطة التنمية وغيرها. فكيف نتوقع قيادة الأعمال من قيادات لا صلة لها بخبرات العمل لأن بعضها جاء من خارج مؤسسة العمل ليستفيد أكثر مما يفيد؟ وهل هذا الواقع المزري للجهاز الإداري للدولة قادر على تنفيذ خطة التنمية، وتحقيق هدف جعل البلاد مركزاً مالياً؟.

أضف تعليق