عندما يكون المرض اختياراً عضالاً!
خلود عبدالله الخميس
في عام 2008 صدر كتاب»The woman who can ‘t forget. «المرأة التي لا تستطيع النسيان». من تأليف «جيل برايس» الحالة الأولى التي تم تشخيصها «hyperthymestic syndrome « مصابة بمرض تذكر التفاصيل «Hyperthymesia» كما يُصطلح. وهو مرض في غاية الندرة ويقال إنه سُجل منه ست حالات فقط.
وتروي في الكتاب قدرتها على رواية تفاصيل كل يوم من حياتها حتى الغامضة منها منذ أن كانت في الرابعة عشرة من عمرها. وتبيّن أن تصوير دماغ «جيل» يشبه تصوير مرضى الوسواس القهري!
وقد يكون هناك منطق في التشابه. فالتذكر للتفاصيل والتوقف عند دقائق الأمور. ليس إلا وسواساً من نوع آخر. إنه «وسواس عاطفي ذهني» كما أرى!
عقدتُ العزم لأشارك «جيل» هذا المرض. فاطلعتُ على الكتاب الصغير نسبياً. 260 صفحة تقريباً. تناولت فيه في عشرة فصول تحكي ذكرياتها وكيفية الشعور بالوحدة بمجابهة الذكريات وتقديرها لنعمة النسيان، تفاصيل عن طفولتها، مرور الأيام، الأشياء التي يُصنع منها الإنسان، أثر الوقت والزمن في تكويننا، عندما تنطق الذكريات، شباك الذكريات المفتوح دائماً، البدء مرة أخرى، وذاكرة الذكرى.
والفكرة التي ألهمتني لكتابة هذا المقال ليست المرض ذاته ولا المرضى به، ولكن أولئك الأصحاء الـ «هايبرثيمسيون» الذين يتقبّعون بقبعة المرض وهم أشد مرضاً من الستة المصنفين به!
إن الاستمرار الأوتوماتيكي الخارج عن السيطرة والقرار في بث سيرتك الذاتية بلا توقف أمام عينيك وهما مفتوحتان أو مغمضتان، هو استدعاء لأحداث الماضي يقوم به العقل في اجترار الذاكرة لاستحضار الذكريات. وهذا مرضٌ عضال تمارسه وإن كنتَ لا «هيبرثيمسياً»! وفي حالات كثيرة، بل أغلبية يكون الأمر بالطريق السلبي!
فهو الدخول بنفق اللاعودة، القبوع في التجربة، الاستسلام للفكرة، سموه ما شئتم. ولكن هو ما أسميه رحلة الألم الاختيارية التي يقوم به الإنسان بعد أن يشحذ كلفة تذكرة لا يملكها، وينتقي أفضل وسائل الانتقال راحة، ويجرد نفسه من كل شيء أو شخص قد يكون لوجوده أثر ينعكس على متعة الانفراد السادي بالذكرى، ويخفف عليه ألم الذاكرة، أو أن يستبدل بها أخرى سعيدة!
ذلك لأنهم –اختياراً- استحبوا الألم على السعادة والماضي على المستقبل والسكون على الاستمرار!
هؤلاء يستعذبون عذاب استعادة الأحداث المحزنة في تاريخهم، بل قد يكونون متطرفين في تهيئة الظروف التي تعينهم على تكرار تجربة مؤلمة، حتى إذا جاءت دخلوا النفق الذي يعرفونه جيداً، نفق الشعور بالظلم والاستغلال والضعف. هذا الشعور الذي تتناوله ليعطيك جرعة «مظلومية واستغلالية وضعف» هو المخدِّر غير المجرَّم قانوناً، وبلا كلفة مالية ومتاح مجاناً في دهاليز رأسك، والقاتل الذي يقتلك كل حين، ولن يُقتل قصاصاً ولو بعد حين!
هذا النفق هو منطقة الراحة المحفور بدقة وإتقان عاليين. اهتم مريض اجترار الذكريات بالإحسان في تهيئته، لأنه يعلم أن الحياة التي سُنت على التغيير لن تكون ملجأ لسكان الجمود أمثاله، ولأنه أيضاً يهاب، بل يهرب من مجرد فكرة التغيير والخروج من هذا النفق لأن التعامل مع تبدل الأحوال عنده مُحال. فأوجد له عالما افتراضيا يسكن إليه مع «كراكيبه» ليمارس البعث!
في حالته، تجد الذاكرة مكاناً مرحِّباً بها، فتحضر مثل ملكة مع وصيفاتها «الذكريات» وتتربع على عرش هذا المجنون بها. المتيم المنتظِر، الذي أعد لها العدة، واستنفد عقله وقلبه وجسده وروحه، عبر إخضاع عاطفيته الشديدة ليصبح قابلاً للتأثر بما تعرضه له، فيسعد وهو في قمة الألم!
ما أقوله لكم حقيقة أنقلها لكم من تجاربي الشخصية مشاهدات وحكايا مع مختلف النوعيات والجنسيات والبيئات والثقافات والأديان والأعمار والجنسين من البشر. شاركتهم في تدريب أو استشارات. يصنعون للألم نصباً ليتعبدون في محرابه!
التذكر والذاكرة والذكريات مصطلحات مهمة في حياة الإنسان وجديرة بالاهتمام والرعاية، بل والتعلم والتطوير. ولكن أن يتم كل ذلك بمنحى إيجابي لتحسين حياة الفرد والذي ينعكس على الجماعة المحيطة به ومن ثمة على المجتمع العام ويحقق من خلاله الاستخلاف في الأرض.
الذاكرة صنع عدد من التجارب. والتجربة ليست إلا موقفا ونتيجة. والكلمات والعواطف تمنحها القوة والمكانة لتكون راسخة أو عابرة. أنت فقط تمتلك القوة الحقيقة في وضعها بحجمها الذي تختاره. فإما أن تُشكل ذاكرتك أو تترك تشكيلك لذاكرتك. والمنتصر أيكما أقوى إرادة وأشد بأساً!

أضف تعليق