أقلامهم

حيدر محمد: تعالوا نتعلم من مدرسة الهند … قصة هذا الشعب المكافح

تعالوا نتعلم من مدرسة الهند 
 
حيدر محمد

 
لم يعد طرح هذا السؤال مشروعاً الآن كما كان في الماضي: هل يمكن التعلم من الهند؟ السؤال الوحيد الذي ينبغي أن يطرح وبكل تواضع: كيف ومتى نتعلم من دروس الهند في السياسة والاقتصاد والاجتماع… فالهند ليست سوى قصة ملهمة قلبها النابض تعددية تحترم كل مكوناتها في بوتقة متناسقة، كسلة فاكهةٍ متعددة الأصناف، زكية الرائحة.


  لن نتعلم من الهند شيئاً، ولن نستوعب الدرس الأهم إذا لم نحسن قراءة أبجديات هذه الأمة، ليس في المظاهر بل في الأعماق، وحتى نتعلم يجب أولاً أن نفك أسرار الهند، وبعد طول تفكير وتأملٍ عميق في أسبار هذه الجوهرة السمراء سنكتشف أن سرها المكنوز هو التنوع والتسامح والتنمية بعيداً عن أمراض العصبيات والأيدلوجيات المنغلقة التي لا ترى في المرآة إلا أفقها الضيق.
  لو أجرينا مقاربة سريعة بين بلادنا العربية المترامية من أقصى الشرق إلى أقصى الجنوب فسنجد أننا عشنا طوال عقود وربما قرون في كنف التناحر الديني والسياسي والأيدلوجي، واعتمدنا على لغة القوة كنظم سياسية بعيدة عن المحاسبة والمراقبة الشعبية، كنا نعيش في جاهليات طويلة ولا نزال.


  تعالوا إلى الهند أيها السادة، لنتعلم أسس التعايش واحترام الآخر والقبول بالتعددية كنهج حياة، ففي حين دفع الزعيم الهندي الخالد المهاتما غاندي حياته ثمناً لتسامحه وقبوله بالآخر، نجد الشعارات البراقة التي امتلأت وتمتلأ بها أكوام الأدبيات الحزبية العربية، ولكن حين يصل أي حزب سياسي عربي (قومي أو ديني) سرعان ما ينقلب على عقبيه، ولتصبح «الشعارات» في خانة التاريخ، وسرعان ما تخرج من ذات الباب الذي دخلت منه، إنه باب التسويق وخداع الفئات الشعبية العريضة والمسكونة بأحلام الخلاص.


 في المحور السياسي، الهند من كبرى الكتل المؤثرة تاريخياً في حركة عدم الانحياز، ولم يصلنا أذى سياسي من الهند كعالمٍ عربي، بل كانت مناصرة على الدوام لقضايانا المنسية في المنابر الدولية، وعلى المستوى السياسي الداخلي، كل شيء في الهند منتخب، هناك ملايين المناصب المنتخبة، ها هي الهند تعلّمنا أن الديموقراطية الحقيقية لا تأتي من أعلى الهرم فقط، بل تبدأ من قاعدة الهرم، في البيت والمؤسسة الاجتماعية وفي الجامعة وفي البلدية وفي المقاطعة وفي الولاية وصولاً إلى الحكومة والرئاسة.


 يكفيكم أن تنظروا إلى المتعاقبين على رئاسة الهند، فستجدون الأكثرية تنتخب زعيماً من الأقلية بإرادتها الحرة، والأقلية تنتخب زعيماً من الأكثرية من دون إكراه، وتزعم هندي مسلم أمة غالبيتها من السيخ، ولكن  هل يجرؤ مسيحي على الترشح للرئاسة في بلدٍ عربي أو مسلم حتى لو كان يملك من الأفكار والأطروحات المستنيرة التي تصلح لقيادة المجتمع، فالدستور الهندي يحدد «مدنية الدولة» أما دساتيرنا العربية والإسلامية فتدخلت في الديانات بل المذاهب أيضاً!
 لا يعني ذلك مطلقاً أن الهند بعيدة عن المشاكل، فلا توجد أمةٌ من أمم الأرض من دون تحديات جوهرية، ولكن الفرق يكمن في طريقة مجابهة التحديات وفي العمل المشترك، هناك طبقات عريضة في الهند تحت خط الفقر، ولكن لم تحدث ثورة في الهند إلا في وجه المحتل الخارجي، ويكفي الهند فخراً أنها تكاد تكون القوة المستقرة في جوارٍ مضطرب، فغالبية جيرانها بقاع مشتعلة بسبب التدخلات الخارجية من جهة، وحالة الاستبداد الخانق من جهة أخرى.
   الهند بدأت ربيعها السياسي والاقتصادي والاجتماعي منذ وقتٍ مبكرٍ جداً، واليوم العالم كله- كبيره وصغيره- يقر بأنها قوة اقتصادية وسياسية مهمة كنقطة توازن في العالم.


  رؤية الهند المستقبلية لخصها بكل ثقة الرئيس الهندي السابق عبدالكلام زين العابدين الذي رسم صورة زاهية لمستقبل واعدٍ لهندٍ مزدهرة، وذلك في خطابٍ ألقاه أمام أساتذة وطلاب كلية شري رام للتجارة في ديلهي حين قال ومن دون تردد: «أتوقع هنداً مزدهرة قبل العام 2020، ونتوقع أن يصل الناس الواقعين تحت خط الفقر حاليا الى قرابة الصفر، سيتم القضاء على الأمية بنسبة تقترب من 100 في المئة، وسيصل مؤشر التنمية الهندي الى اقل من 50 مقارنة بالمستوى الراهن البالغ 127 عاطلا في كل ألف من السكان»، وأضاف إن كل طالب هندي إما سيحصل على شهادة جامعية جيدة وإما سيحوز تدريباً مهنياً كفءاً «وستحصل كل القرى على تيار كهربائي مستمر، وستحصل نحو 600 ألف قرية على إمكانات الكترونية ومعرفية واقتصادية».


   لم يكتف الرئيس ببيع الأحلام والأوهام في مزادات السياسة، بل نسج في أهم خطابه أمام الطلبة كل المعطيات التي تثبت صدق نبوءته قائلاً: «إنه طوال التاريخ الهندي لم تحصل البلاد على المقومات التي تتوفر الآن مع وجود 540 مليون شاب في سن العمل، ومعدل تضخم متدن واحتياطات من العملة الأجنبية واقتصاد متنام، واعتراف عالمي بكفاءاتنا التكنولوجية ووجود نحو 20 مليون هندي يتوزعون في كل أرجاء العالم يشكلون همزة وصل مع بلدان العالم التي نبادلها المعارف والموارد والمصالح والتي تبدي اهتماماً بالاستفادة من مهندسينا وعلمائنا ومشاركتنا في أبحاث جديدة وجهود للتنمية».
  ونحن في منطقة الخليج العربي نملك إحدى أكبر الجاليات الهندية في العالم، فتعداد الهنود يتجاوز الملايين في منطقتنا، وقد ساهموا بفعالية في بناء مجتمعاتنا منذ عصر ما بعد الطفرة النفطية في سبعينيات القرن الماضي، وليس منا من لا يتعامل مع هنود في كل مفاصل حياته: في المنزل والشارع والتجارة وأينما يولّي وجهه.


  الصورة الأجمل في الهند هي قصة هذا الشعب المكافح والمتنوع الذي يعمل مع أول خيوط الشمس حتى مغربها، وغالبيتهم تحت ظروف عمل شاقة وأجورٍ زهيدة  ورغم ذلك يعملون بإتقانٍ وتفانٍ قل نظيره، ولكن ما لا ندركه حتماً رغم إنه آتٍ لا محالة: سيتأتي يومٌ من دون هنود في منطقتنا، لأن بلادهم بحاجةٍ لهم في عملية البناء المتسارع، طولاً وعرضاً، ليلاً ونهاراً.
 أيها السادة، دعونا نتعلم من نهضة السواعد السمراء التي تعزف سيمفونية البناء لا الهدم في كنف أمةٍ تقدّر عطاء الإنسان..!