قلة بركة
ناصر المطيري
لم يمر على الكويت أي عهد من العهود الماضية تمتعت فيه البلد بوفرة مالية وفوائض نفطية ومضاعفة في الدخل القومي ودخل الفرد وما تحققه استثمارات الكويت من أرباح، هذا على المستوى الوطني أما على مستوى الأفراد فشهدت الأجور والرواتب زيادات غير مسبوقة ولاتزال هناك سلسلة من الزيادات قادمة لقطاعات واسعة من الموظفين..
المفارقة العجيبة أن كل ذلك الرخاء الاقتصادي وما فاضت به خزائن الدولة من أموال أنعم الله بها عليها وما دخل جيوب الناس من رزق وزيادة في الموارد المالية إلا أن الشعور بعدم الاكتفاء والحاجة للمزيد اصبح شعورا عاما بسبب ما يواجهه الناس من غلاء وارتفاع تكاليف الحياة المادية وازدياد أعباء المواطن..
وعندما ننظر للأمر من زاوية دينية بحتة ونحاول تشخيص هذه الحالة الكويتية نجد أن البركة منزوعة من رزقنا، فالعبرة الحقيقية ليست بوفرة النقود وزيادة الأجور بل هي البركة، إن بارك الله في المال ضاعفه، أما أن محقت البركة فتضعف قيمة النقود ويحل الغلاء، فالبركة بدينار واحد أطيب من مئة دينار منزوعة البركة..
ولاشك أن محق البركة ونزعها من رزق الناس هو بما كسبت أيديهم من كذب وظلم وتحاسد وتباغض بينهم ولا أظن أننا في حاجة للتدليل على صور تلك الصفات التي انطبعت على مجتمعنا بمؤسساته وأفراده.. «ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس».
ويقول رب العزة والجلال: «ولو انّ أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض»، وليست سعة الرزق والعمل بكثرته ولا طول العمر بكثرة الشهور والاعوام ولكن سعة الرزق والعمر بالبركة فيه.
في زمن مضى كان دخل الشخص وراتبه محدوداً ورغم ذلك كان هناك شعور حقيقي بالرخاء والرضا ورغد العيش أما اليوم فالجيوب مليئة بالنقود والأرصدة الشخصية مضاعفة في البنوك ولكن الشعور بالحاجة المستمرة وعدم الرضا هو السائد، فالمئة دينار اليوم في جيب أي شخص لا يستطيع أن يشتري بها مثلا أكثر من خروف واحد أما في السابق فكان يمكنه بالمبلغ ذاته أن يشتري أربعة خراف.. وهذا هو المثال البسيط لمحق البركة، مال كثير وبركة قليلة..
هذه الحال لن يتأتى علاجها باللجان الاستشارية الاقتصادية ولا الدراسات المالية ولا المؤتمرات بل الحل أبسط من ذلك بكثير وهو يزكي الناس نفوسهم وينبذون التباغض والتحاسد بينهم ولابد من صفاء القلوب وتوحدها وفوق هذا كله الالتزام بالنهج الرباني والتمسك بالتقوى والطاعة «من يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب».

أضف تعليق