كتاب سبر

قضاء بألوان البنفسج

في ثلاثينيات القرن الماضي، وفي مدينة مرسيليا تحديداً، أي خلال الفترة التي كانت كانت تسيطر فيها عدة عصابات (مافيا) متنافرة متصارعة تمتلك كل شيء، وعندما أقول (كل شيء) فأنا أعني حتى القانون .. في تلك الفترة البائدة، قام أحد زعـماء المافيا بقتل أحد خصومه.. فألقي القبض عليه، وتم تقديمه إلى المحاكمة ! 
وعندما جاء الشاهد الوحيد… ليقف أمام (القاضي المرتشي) من زعيم العصابة القاتل، مقابل تبرئته، سأل القاضي الشاهد سؤالاً في غاية الحزم :
– ماذا حدث بالضبط ؟ قل لي ؟ 
– أجابه الشاهد : 
– كنت اجلس في مخزن المتجر الذي أعمل به، في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل .. ثم سمعت طلقاً نارياً من بعيد، وعندما هرعـت من المخزن إلى المتجر، وجدت السيد (فيليب) جثة هامدة والدماء تنزف من ثقب بين عينيه الجامدتين،وشاهدت هذا الرجل ( ديبييرا) يقف أمامه ومسدسه في قبضته والدخان يتصاعد من فوهته، ولم يكن هناك أحد سواه. 
– فسأل القاضي الشاهد مرةً أخرى في صرامة مخيفة : 
– هل رأيته وهو يطلق النار على القتيل؟
– أجابه الشاهد في بساطة :
كلا، ولكن مظهره يؤكد انه هو الفاعل، فلم يكد يراني حتى رمقني بنظرة قاسية، ودس المسدس في جيبه وغادر المكان في هدوء وهو يتصور أنني لن أجرؤ على الشهادة ضده.
القاضي وللمرة الثالثة :
– هل رأيته يطلق النار ؟ 
– الشاهد :
– بل سمعت صوت الطلق الناري ! 
– القاضي : هذا لا يعد دليلاً كافيا.
احتقن وجه الشاهد في غضب ونهض من مقعد الشهادة، وأدار ظهره للقاضي وهتف بصوت مرتفع :
– يالك من قاضٍ مرتشِ وغـبي وأحمق وجبان. 
– استشاط غضب القاضي وسط امتزاج السخط والحنق والذهول والاستنكار وصرخ :
– كيف تجرؤ على إهانة هيئة المحكمة يا هذا؟  احكم عليك بالسجن.
ماذا؟
– استدار الشاهد إلى القاضي وقاطعه بغتة :
– هل رأيتني أشتمك يا سيدي ؟ 
– صرخ القاضي في غضب .. لقد سمعتك وسمعك الجميع. 
– قاطعه الشاهد مبتسما في خبث : 
هذا ليس دليلا كافيا يا سيدي، فاحتقن وجه القاضي وضجت القاعة بالضحك، وأدرك الجميع مغزى المفارقة، ووجد القاضي نفسه في مأزق يهدد سمعـته ومستـقـبله فلم يجد سوى أن يستسلم ويحكم على زعـيم العـصابة بالإعـدام، فكان أول حكم إعـدام عـلى أحـد زعـماء مافيا مرسيليا إنذاك … انتهت القصة .. وبقي التساؤل .. هل القضاء الذي كان (البنفسجي) أحد أعضائه نزيهاً فعلاً ؟ هل على الشعوب الانسجام مع أحكام قضائية متناقضة دون سبب أو مبرر؟ هل أعضاء القضاء بشر معصومون من الخطأ؟ هل يوجد رئيس تحرير صحيفة (لايثة) منجم يضرب الودع ويقرأ الطالع؟ هل (الدبش) قادرة على تحليل يصل لدرجة الـ %100 ؟ 
FaisaiBnOmer@
Copy link