آراؤهم

“وبعنا الجواميس”

أعتبر نفسي ممن لا يفوتون فرصة بسؤال أي وافد تجمعني به صدفة، أو لقاء عمل حول انطباعه عن الشعب الكويتي والمعاملة التي يجدها كوافد، أو عن طبيعة عمله، وما أن أعطي “الأمان”  لكل من أسأله حتى ينطلق ليحدثني بألم عمّا يلاقيه من معاملة لا تليق بمعاملة الإنسان لأخيه الإنسان.
في لقاء جمعني بوافد سألته عن طبيعة عمله كحارس أمن، فقص علي سريعا ودون تردد معاناته، وبدا وكأنه كان يكبت قصته بداخله حتى وجد الشخص الذي يمكن أن يساعده بإيصال رسالته أو ربما فقط يستمع وينصت له كنوع من “الفضفضة” ليزيح عن صدره بعض الألم الذي يسكنه، قال:
وصَـلَنا في قريتنا في مصر أن شركة كويتية تريد موظفين مصريين للعمل فيها كحراس أمن، سعدنا بالخبر باعتبار أن العمل في الخارج سيساهم بـ”تحويش قرشين” بشكل أسرع وتأمين متطلبات أسرنا بشكل أفضل بكثير مما هو عليه في مصر، فاطلعنا على العقد فإذ بالراتب 120 دينارا  لعمل 8 ساعات يوميا مع يوم الراحة، وكان هذا مناسب جدا بالنسبة لنا، ولكن الوسيط اشترط علينا دفع مبلغ للشركة وهذا -كما هو معروف- ليس شرطا بالعقد وإنما استغلال الشركة و”السمسار” لرغبتنا الشديدة في العمل في الكويت، فقمنا بـ”بيع الجواميس”، وبعضهم باع “سيغة مراته” لتأمين المبلغ للعمل في الشركة، ولكن المفاجأة كانت بعد وصولنا الكويت أن عقد العمل أصبح 16 ساعة مقابل 120 دينارا  ، وأن من يرغب بعمل 8 ساعات يقبض 60 دينارا  فقط، وللأسف أننا التزمنا مرغمين حتى على الأقل نعوض خسارة ما دفعناه للشركة و”السمسار” مقابل المجيء للكويت. (انتهى)
ربما هذا ليس بجديد علينا في الكويت، فشركات عديدة تستغل حاجة الإنسان بشكل بشع ومريض، وهذه القصة هي غيض من فيض معاناة العديد من الوافدين في الكويت الذين يدفعهم أرباب العمل إلى ما لا طاقة لهم به، سواء كان هذا في الشركات أو حتى في المنازل.
لا أدري حتى الآن من زرع في عقول شعوب النفط وحكوماتهم أن الوافد جاء ليشحذ لا ليعمل مقابل أجر؟ ومن قال أن كراماتهم مهدرة حتى يسومونهم سوء المعاملة التي تعكس عن تخلفهم الشديد؟ ولا أدري إن جفت بحور النفط التي يسبحون فيها وتزدهر دول العمالة التي تعيش بيننا هل سنستجدي العمالة مستقبلا؟ أم يقبل هؤلاء المتغطرسون أن يعملوا في بلدان كانوا يهينون شعوبها في السابق؟
ثقافة حقوق الإنسان متدنية لدينا للأسف، وأبسط مثال أضربه هو اعتياد الناس على مشهد يتكرر كثيرا مثل رؤية شاحنة تتبع شركة تقل عمالا في الجزء المكشوف منها دون وجود أي اعتبار لكرامتهم ولا أي ضمانات لسلامتهم وكأن الأمر طبيعي، فضلا عما تقوم به بعض الشركات التي تخالف قرار حظر تشغيل العمالة في الأماكن المكشوفة صيفا من 11 صباحا حتى 4 مساء دون أي مراعاة لتعرض العمال للخطر جراء عملهم في هذا الطقس الذي لا يطاق والسبب هو رغبة الناس بانجاز أعمالهم بشكل أسرع، هذا غير موافقتهم وتأييدهم للفصل العنصري بينهم وبين الوافدين في عدد من مؤسسات الدولة وغير المعاملة السيئة في الشارع وكل مكان بسبب النظرة الدونية لكل من يعمل لدينا باسم “وافد”.
 المشكلة لدينا، أن بعضهم يعرف “حقوقه” هو فقط، أو حقوق “طائفته وأبناء منطقته”، ما يجعل التفاعل مع قضايا حقوق الإنسان عموما منعدما إلا قلة تضع حقوق الإنسان في مسطرة واحدة ولكن صوتها ضعيف لقلة الأدوات المتاحة لها ولضعف تجاوب الناس معها.
يبدو أن المشوار طويل جدا حتى نخرج بشعوب تستوعب جيدا ما هي “حقوق الإنسان” وتتفاعل مع قضايا الانتهاكات دون أي تمييز أو تفرقة بما يقلل منها ويقضي عليها بشكل نهائي.
@M3yoof_K

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.