كتاب سبر

مصر.. للخلف در

لا شيء تغير في مصر، يبدو المشهد الآن قريبا من المشهد قبل سنوات، وكأن الثورة لم تقم، وكأن النظام لم يسقط، وكأن الشهداء لم يضحوا بأرواحهم وكأن الحزب الوطني لا زال يعبث بمستقبل مصر، وكأن أحمد عز ورجال الأعمال يتحكمون في مصير الوطن، لا شيء تغير. 
نفس ما كان يحدث من قبل نراه الآن، نفس طريقة اختيار رئيس الوزراء والوزراء، نفس طريقة النفاق الإعلامي للرئيس، نفس طريقة التهليل، ومحاولة الاستحواذ، وخداع الشعب، وكأن مصر قد عادت إلى الوراء بدلا من أن تتقدم إلى الأمام. 
ما يحدث الآن على الساحة السياسية يؤكد أنه لم يحدث تغيير يُذكَر يتناسب مع ثورة 25 يناير ومطالبها بالتغيير، وتقديم الشعب تضحيات وسقوط الشهداء من أجل الحرية والكرامة والعدالة.. وقدرته على خلع نظام مستبد فاسد، فلم يمر سوى 17 شهرا على الثورة ونجد أنفسنا نعود إلى المشهد السياسي نفسه للنظام الفاسد المخلوع، برجاله وأركانه وترزية قوانينه وسلوكياته التى قامت الثورة ضدها. 
 فهناك سيطرة لحزب واحد أو جماعة على مقدَّرات الأمور، ويحاول بكل ما يملك «التكويش» على السلطة وأدواتها.. والصراع على ذلك، ولو بأشخاص عديمى الكفاءة والخبرة.. ولم يكونوا فى يوم ما على أى علاقة بالثورة، اللهم إلا انتماءهم إلى الجماعة فى إطار «السمع والطاعة»، أو التمسح بها.. وبناء مجموعة محيطة مرتبطة بالجماعة الأصلية، من خلال المصالح. 
 أيضا انعدام الشفافية فى تعامل تلك الجماعة وحزبها مع الناس، أصحاب الثورة الأصليين.. فقد حافظوا من اليوم الأول لوثوبهم على السلطة على طريقة تعاملهم القديمة، كتنظيم سرى يعمل تحت الأرض، وبتركيبة حديدية.. وينظر بارتياب إلى غيره من الناس.. فلا ثقة إلا بإخوانهم وأسرهم.. ومن ثم نفاجأ بشخصيات عديمى الكفاءة -كما كان يحدث فى الحزب الوطنى الفاسد- مسؤولة عن تشكيل مستقبل الأمة.. وبالطبع تكون آراؤه مخالفة تماما لما دعت إليه الثورة.. ولعل ما يحدث من مهازل فى لجنة اختيار رؤساء تحرير الصحف الحكومية، وأيضا فى اللجنة التأسيسية لكتابة الدستور، دليل على ذلك. 
وهنا لا أعفى جنرالات معاشات المجلس العسكرى، الذين أداروا البلاد على مدار عام ونصف العام، من المسؤولية عما آلت إليه البلاد من فوضى وانفلات وانهيار، وسيطرة جماعة على السلطة، بما يخالف أهداف الثورة، وبعد أن وثق بهم الشعب وسلمهم السلطة بعد خلع مبارك المستبد الفاسد، وهو الذى كان يأمل خلال هذه الفترة فى أن يبدأ تأسيس الدولة الجديدة ببناء ديمقراطى حديث.. لكن هؤلاء الجنرالات لم يكونوا أبدا عند حسن الثقة والظن، وأداروا البلاد بفشل عظيم، ونحن نعانى الآن من نتائج ذلك.. وسنظل سنوات نجنى ثمار ما اقترفوه فى حق هذا الوطن وثورته التى بهرت العالم كله.. وجاؤوا هم لإضاعتها وإفشالها.. وها نحن مستمرين على هذا الفشل 
فكل المؤسسات التى تدير الدولة الآن -إذا اعتبرناها مؤسسات- بعيدة كل البعد عن الثورة. 
فإذا كان الرئيس محمد مرسى لم يتذكر أنه ممثل الثورة، إلا فى انتخابات جولة الإعادة على الرئاسة، عندما بدأ يستشعر الخطر هو وجماعته من أحمد شفيق -بقايا نظام مبارك ورئيس وزرائه لإجهاض الثورة والمشرف على موقعة الجمل- فتذكر حينها الثورة ودعا القوى الثورية لمساندته، فى مواجهة من سيجهضون الثورة.. ونسى وتجاهل وقتها أنه كان على رأس حزبه «الحرية والعدالة» وجماعته، حينما شاركوا جنرالات العسكرى فى إجهاض الثورة على مراحل كثيرة خلال الفترة الماضية، ولعل أبرزها كانت أحداث محمد محمود، التى سقط فيها الشهداء.
وأحداث مجلس الوزراء، فسبوا فيها الثوار واتهموهم بالعمالة والخيانة، وفوق ذلك قالوها علنا فى مجلس الشعب: «لقد انتهت شرعية الميدان.. وجاءت شرعية البرلمان».. وعندها جاؤوا بميليشياتهم لضرب ومنع الثوار من الاقتراب من مبنى البرلمان، لتقديم طلباتهم إلى أعضاء مجلس الشعب المنتخبين، التى كانت تقتصر على المطالبة بتحملهم المسؤولية باعتبارهم مؤسسة منتخبة ضد الإدارة الفاشلة لجنرالات المجلس العسكري. وبالطبع لم يتذكر الدكتور محمد مرسى تلك الثورية التى استدعاها فى انتخابات الإعادة، ليصل إلى كرسى الرئاسة، عندما وقع اختياره، واختيار جماعته، على رئيس وزرائه، الذى سيشاركه إدارة البلاد فى المرحلة المقبلة، فلا يُعرَف عن هشام قنديل أى علاقة بالثورة، بل إنه كان عضوا فى وزارة الجنزورى، التى لاقت جميع السباب من نواب الإخوان. 
ومن ثم لا تندهش عندما تجد وزراء عديمى الخبرة والكفاءة.. فهم فقط أهل سمع وطاعة وأصدقاء وزملاء وأقارب الرئيس وجماعته، بل لا تندهش عندما تجد رجال أعمال يرغبون فى «توزيرهم» أو تجد وزيرا قد شارك فى وزارة أحمد شفيق.
مصر للأسف.. تسير إلى الوراء.. ويبدة أن هناك من لم يتعلم الدرس بعد.