كتاب سبر

أربعون حرامي بلا علي بابا!

كما أن لكل زمان دولة ورجالا فإن لكل زمان أيضاً “حرامية ولصوص”، يتغيرون بتغير الزمان، ويتطورون مع تطوره، يواكبون عصر “الحرمنة” غير متناسين في الوقت نفسه أنّ “من فات قديمه تاه” فلا بأس بأن يستعينوا بحيل الماضي لسرقة الكحل من عين المستقبل ، لا يحتاجون إلى مزيد تعليم على السرقة فالمال “السايب” كثير، ولأنهم لم يجدوا من ينهاهم عن السرقة فهم لم يكونوا بحاجة إلى وجود من يأمرهم بها، يسري حب السرقة في دمهم، لا يتلذذون إلا بالحرام، ويتفاخرون في تكبير أجسادهم من أكل السحت، وما علموا أن النار أولى بها.
لم يكن جدي كاذباً حين حدثني عن “الحرامية” الذين يسطون على “العرب” بليل وهم يخفون وجوههم ويتجنبون الليالي ذات “البدر” وواحدهم يردد “ساري وأخاف القمر يظهر عليّا”، فجدي كان يصف حرامية زمانه، وهو لم يكن يعلم بأنه سيأتي على الناس زمان يلبس فيه “الحرامي” أفخم البشوت وأجملها، ويركب أفضل السيارات، ويجلس في “صدر” المجلس، ولا يمنع أن يجلس تحت “قبة” المجلس أيضاً، ويتبعه “حرامية” ناشئون في رحاب السرقة، شعارهم “بوقوا” ونحن من خلفكم، أنتم “السارقون” وإنا إن شاء الله بكم لاحقون.
ذهب الماضي بخيره وشره، وكما أن الجميع يردد “راحوا الطيبين” فأنا أردد أيضاً “راحوا الحرامية الطيبين”، فحرامية ذاك الزمان أكثر شرفاً من حرامية زماننا، فأحدهم كان يسرق “ليأكل”، بينما “حرامي” اليوم يسرق “ليقتل” كل أمل بقيام دولة متطورة متقدمة ينعم فيها الجميع برفاهية ورغد عيش ، ويريد أن يستأثر بخيرات البلد بحعلها له هو دون غيره، فهو إن سرق لا يبقي ولا يذر، وكأنه يقول للأموال والمناقصات “لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا”!
لا أدري كيف يصلح الحال في بلد يكرم فيه السارق ويجلس في الصفوف الأمامية ويعلو من أجله التصفيق والهتاف، وينشد له الحضور “احترامي للحرامي”، بالتأكيد بلد هذا شأنه لا يصلح حاله أبداً، وكأني بالشاعر أراد أن يقول :
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم
ولا سراة إذا “سُرّاقهم” سادوا
لكن لعله لم يدر في خلده أن السارق قد يسوّد يوماً ما، لذلك تجده استساغ فكرة أن يسود الجاهل قوماً لكنه ربما لم يستسغ أن يسود السارق قوماً ، أقول ربما.
يتنوع اللصوص ولا شك، وتتنوع السرقات ولا شكّ أيضاً، وتتنوع الضحايا ولا شك أيضاً وأيضاً، ولكن أخس أنواع اللصوص وأحقرهم هم أولئك الذين يسرقون من المرء سنوات عمره، يعطونه الوعود الزائفة على طبق من ذهب، ويسرقون منه طفولته وشبابه ولا يرحمونه حال شيخوخته، يصنعون منه صديقاً لحرّ الشمس رغماً عنه، ويجعلون منه عاشقاً للغبار رغم أنفه، يشغلونه بطلب قوت يومه، حتى لا ينشغل بطلب حقّه .
وأخس أنواع السرقة هي سرقة الأحلام من مخيلة أصحابها، وسرقة كل نظرة مستقبلية صاحبتها ابتسامة بغدٍ أفضل، وسرقة كل أمل لاح في عين صاحبه حتى يدبّ اليأس فيه، وينزرع في قلبه القنوط، فيصبح باطن الأرض أحب إليه من ظاهرها، ليمشي على غير هدف وهو يردد “ألا موتٌ يباع فأشتريه” ؟!، وكيف لا وقد أصبح في عين نفسه من سقط المتاع، يلوح أمام عينيه قول قطري بن الفجاءة:
وما للمرء خير في حياةٍ
إذا ما عُدّ من سقط المتاعِ
وإن أبأس الضحايا هم أولئك الذين لا حول لهم ولا قوة، ولا يملكون إلا الصبر والدعاء، أعمارهم والشيب في رؤوسهم كفرسي رهان لا تدري أيهما أسبق، يدّخرون فرحهم ليوم قد لا يأتي ولكنّهم يمنّون النفس بقدومه، لا يحزنهم وجود أربعين حرامي يعيثون في حياتهم فساداً، بقدر ما يحزنهم عدم وجود “علي بابا” واحد يعيد إليهم حقوقهم، ويخلّصهم ويخلص البلد من شرّ “الحرامية”.

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.