من الأُمور المنتشرة في أكثر المجتمعات تقريبًا هي النقد من أفراد المجتمع ذاته، للمسؤلين أو العادات أو بعض التصرفات السلبية المنتشره وغيرها. وفي السنوات الأخيره انتشرت هذه الظاهره بكثرة في مجتمعاتنا، وأستطيع تصنيف هذا النقد إلى نوعين، الأول هو السخرية، أو كما تسمّى الكوميديا السوداء التي قد تأتي بشكل نُكات مثلًا، ويكون الهدف منها تسليط الضوء على مشكلة أو أمر معيّن باسلوب خفيف ومضحك للمتلقي، أمّا النوع الثاني فيكون نقدًا جادًا، سواء كان مبنيا على أُسس علمية أو ثقافية أو غيرها، وقد يكون للنوع الثاني تفرّعات، كالنّقد البنّاء وغيره الكثير، لكنّي هنا لست بصدد توضيح ماهية النقد وأنواعه وما إلى ذلك، لكني سأتحدث عن ظهور النقد في مجتمعنا وتقبل أفراده لهذا النقد.
في الغالب يتم تقبل النقد الأول (الساخر) عند عامة الناس بشكل سلس دون أن يقع صاحب النقد الساخر عرضة للهجوم أو الاعتراض أو غيره وذلك لعدم أخذهم النّقد بجدية كبيرة، واعتقادهم بأن الغرض منه مجرد الضحك، وإن كان أخذًا خاطئ في نظري، لكنه يُقبل عند عامة الناس ولا يُقبل عند المسؤولين، لاسباب واضحة باعتقادي أما النوع الثاني، فتجد أن أفراد المجتمع، والمسؤولين أيضًا يأخذون موقفًا حساسًا من النقد الجاد ولو كان صحيحًا ويقرّون به، ولكن اعتراضهم قد يكون بسبب إيمانهم بأنهم أفضل من غيرهم بشكل أو بآخر، أو بسبب عدم رغبتهم بتصدير هذه المشاكل أو الأمور المُنتقدة خارج نطاق المجتمع، فتكون (الفضيحه) على حد تعبيرهم، وقد يكون أيضًا بسبب ظنهم بأن الناقد يعتبر نفسه أفضل من المجتمع الذي ينتقده؛ ومن الامور أيضًا التي تدفع الناس للإعتراض على النقد الموجه لهم، هي الفكرة الذهنية التي تقول لهم بأن من ينتقدكم بالضروري هو لا يحبكم وينشق عنكم! وفي حالة المسؤول يكون لأسباب كثيره أبرزها أخذه النقد بإعتبار شخصي، ويغيب عن ذهنه أن عمل المؤسسات أو المسؤل نفسه من مصلحة جميع أفراد المجتمع بما فيهم الناقد.
وكثير من الأمور الاخرى التي قد أتفهم جزءًا منها ولا أتفهم الآخر، لكن كون أحدهم ينتقد المجتمع فهو يقدم خدمة له، فيسلّط الضوء على الأمر المُنتقد ويحاول المطالبه بإصلاح هذه المشكلة، ويغيب عن بال البعض بأن أي شخص يستطيع أن يعرف ما هي الامور التي تحدث في المجتمع هذا أو ذاك بنقرة إصبع على هاتفه الذكي! وأيضًا مما لا يعرفه الكثير من الذين يرفضون النقد ويأخذون موقفا حساسًا منه بأن الناقد هو جزء من هذا المجتمع، فبطبيعة الحال هو ليس خارجا عن إطار النقد، ولم يدفعه إلى النقد غير محبته لهذا المجتمع الذي ينتمي اليه، ورغبته في التحسن له وتقديم النقد الذي له دور كبير في التحسين، والاعتراف بالخطأ أولى خطوات الإصلاح، وعندما يأتي النقد خاصًا بقرار مسؤول معيّن أو تقصيره في عمله، للأسف يؤخذ بحساسية اكبر لدى المنقود، وهنا أتذكر صحيفة فرنسية ساخرة اسمها «البطة المقيدة»، تصدر كل أربعاء منذ عام 1915 لتسلخ رئيس جمهورية فرنسا وكبار المسؤولين بسخرية لاذعة ونقدًا جادًا لا يمكن أن يقبلها المواطن العادي على نفسه لكن المسؤول العام يقبلها. وأتذكر ايضًا الرئيس الأمريكي روزفلت عندما جاءه أحد وزرائه يشكو من قسوة هجوم الصحافة عليه وكثرة النقد الموجه له، فابتسم روزفلت وقال ساخرا: “من يعمل داخل المطبخ لا يحق له أن يشكو من حرارة الفرن”، إذن فيجب علينا شعبًا ومسؤلين تقبّل النقد، وأخذه بعين الاعتبار، وترويض النفس لتقبّل النقد والتعامل معه، من أجل العمل على الاصلاح، أيٍّ كان ومهما كان.

أضف تعليق