أقلامهم

فهد الهندال: مجموعة 29 استطاعت بجهودها الجبارة أن تلفت نظر المجتمع الإنساني.

فاصلة / رمزية الرقم 29 
فهد توفيق الهندال 
الشاعر العالمي راينر ريلكه امتزجت في ذاته عدة هويات ثقافية وعرقية وتاريخية استطاع بموازاة رفضه لأي حدود لغوية، جغرافية وسياسية، ليكتفي بادعائه بأنه مواطن أوروبي فقط. فقد ولد في براغ عام 1875 حيث نشأ فيها وترعرع في كنف أب متعصب للأعراف العسكرية وأم متدينة غارقة في الحياة الاجتماعية، تلقى تعليمه الجامعي في ميونيخ وبرلين، وحشّد حياته برحلاته الثقافية بين روسيا وايطاليا والسويد، مرورا بسويسرا وإسبانيا وفرنسا التي قرر أن تكون مقر إقامته. هذا التنويع الجغرافي ساهم لأن يتحرر ريلكه من قيود المكان بأن يتجاوزها لغة وفكرا، فتصبح الإنسانية عنوانا عريضا في حياته الأدبية التي عانت ويلات الحرب العالمية الأولى، فكان شاهدا على تدمير البشر لحضارتهم وتحكم السياسة ووجوهها القذرة بكل نواحي الحياة، فدانها في شعره وأدبه، ففي رسائله الجوابية إلى شاعر شاب يدعى فرانز كابوس بعدما سأله الأخير عن رأيه في محاولاته الشعرية، نجد ريلكه يقدم له خبرته الشعرية ونظرته الفلسفية للحياة، وهو ما حدا بكابوس أن يعجب به أكثر ويقول: «عندما يتحدث رجل عظيم وخاص، فعلى الرجال الصغار أن يصمتوا». ليجمع كابوس هذه الرسائل وينشرها على أمل أن تستفيد منها الأجيال القادمة. ولعل أكثر ما ركّز عليه، تمثّل في نصيحة ريلكه له لأن يحب طبيعته التي فُطر عليها، حيث البساطة والتلقائية والأشياء الصغيرة التي لا يلتفت إليها الناس، فحب الأشياء الهامشية كما يظن البعض – سيتحول دون أن يتوقع أحد لأشياء أعظم وأكبر من القياس الاجتماعي والثقافي الذي يفتن الكثيرين ليبقوا أسرى قوالبه الجامدة. وهو ما لخّصه ريلكه بشعره، منه قوله:
 لا بأس أن يظل الأثرياء والمحظوظون صامتين
 فلا أحد يريد أن يعرف من هم على أي حال..
 ورغم كل شيء، فإن الناس يمرون بالمحتاجين 
 كأنهم ليسوا أكثر من أشياء، ولذلك يضطرون للغناء. 
 توفي ريلكه في 29 ديسمبر 1926، بعد حياة مفعمة بالانسانية.
 فاصلة أخيرة 
 مجموعة 29 التي تشكلت بجهود ناشطات كويتيات استطاعت بجهودها الجبارة رغم بدايتها الناشئة أن تلفت نظر المجتمع الإنساني بما جنّدت به عملها النبيل من قيم خلاّقة تدفع المؤمنين بها لأن يتجاوزوا كل أشكال المجتمع المظهرية والمخملية وكل صور الاحباط من العملية السياسية المتأزمة، فدخلوا إلى قلب المعاناة وخلقوا البسمة عنوان أمل جديد على شفاه صغيرة ما زالت تحلم بالوطن الذي اختصرت المادة 29 من الدستور جزءا من ملامحه، حيث الناس فيه سواسية في الكرامة الإنسانية، وهم متساوون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين. فكانوا خير ممثلين للعمل الإنساني التطوعي في الكويت. 
 والعاقبة لمن يعقل ويتدبر.