أقلامهم

ياسر خطاب: تعيش الكويت حالياً تخمة من الاستخدام المكثف لـ”القوة الناعمة”.

الإعلام الجديد… نصف الحقيقة 
ياسر خطاب
“لم نعد بحاجة إليكم بعد اليوم… لدينا تويتر”… عبارة وجيزة كتبها مدون مصري وجهها إلى قناتي “الجزيرة” و”العربية” خلال الأيام الأولى لثورة الـ25 من يناير المصرية فيما يشبه إعلاناً للاستقلال. كلمات بدا أنها تدشن حقبة جديدة يدخل إليها الإعلام العربي، ينتزع فيها الإعلام الجديد ممثلاً في شبكات التواصل الاجتماعي والمدونات والرسائل الإخبارية، الدور المنوط بوسائل الإعلام التقليدية من ناحية خلق فضاء جديد للحشد والتعبئة يختلف في مقوماته وأدواته عن سابقيه. وإذا كان الإعلام الجديد قد نجح في إدارة الحالة التونسية والمصرية، فماذا عن الوضع في الكويت؟  يشير تقرير الإعلام الاجتماعي العربي الذي يعده دورياً برنامج الحوكمة والابتكار في كلية دبي للإدارة الحكومية إلى أن الكويت تتصدر مستخدمي “تويتر” كنسبة من عدد السكان، كما تأتي في المرتبة الرابعة في استخدام الـ”فيسبوك”. ويمكن تفسير الدور المتصاعد الذي تلعبه وسائل الإعلام الجديد في المجتمع الكويتي في ضوء نظرية المفكر ميشيل فوكو، التي تربط بين الخطاب الإعلامي والسلطة ليس بمفهومها السياسي وإنما بمفهومها الذي يشير إلى أنماط الهيمنة الاجتماعية. وبمعنى آخر، فإن وسائل الإعلام في الكويت وفي مقدمتها وسائل التواصل الاجتماعي تحولت إلى أدوات لممارسة القوة من قبل القوى السياسية والاجتماعية المختلفة، ففي السابق كانت الدولة هي الطرف الوحيد الذي يحتكر ممارسة القوة في المجتمعات الإنسانية، ولكن ظهور وسائل الإعلام على تنوعها أتاح للأطراف الفاعلة المختلفة في المجتمعات استخدام ما يمكن أن يطلق عليه “القوة الناعمة”، التي لا تعتمد على فكرة الإكراه بالدرجة الأولى بل على الإقناع للوصول إلى أكبر قدر ممكن من الأفراد. وتعيش الكويت حالياً تخمة من الاستخدام المكثف لـ”القوة الناعمة”، فالجميع دخل في حالة من التسابق لإضفاء القوة والمكانة على طروحاته التي يقدمها من خلال استخدام آليتين تعرض لهما هربرت شيلر في كتابه “المتلاعبون بالعقول”، الأولى هي: التشظي FRAGMANTATION، إذ يتم توزيع وتبادل أجزاء من الحقيقة عبر شبكات التواصل الاجتماعي على أنها الحقيقة المطلقة، أما الآلية الثانية فهي: الفورية أو الـIMMEDIACY، وهي مرتبطة إلى حد كبير بالآلية السابقة، فالمتابعة الآنية أو اللحظية للأحداث والتصريحات تكرس فكرة التجزيئية التي لا تعتمد على رؤى كلية، لكنها تلعب دوراً في إحداث نوع من التضليل والتشويش في عملية الإدراك والفهم الكلي. وقد أفرزت حمى التسابق هذه حالة يصفها أدورنو وهوركهايمر بـ”الخلل في التمييز بين الواقع الحقيقي والواقع الخادع” الذي تخلفه صناعة الإعلام، ويؤدي هذا الخلل إلى ما يطلق عليه في الدراسات الإعلامية بـ”الأثر الاستعراضي”، حيث يتبنى الأفراد بعض الآراء المطروحة في وسائل الإعلام، ليس بسبب اعتقادهم بأهميتها أو صدقها، وإنما لأنها تبدو أنها آراء معظم الناس بسبب ما قلنا إنه افتقاد للرؤية الكلية الناجم عن التشظي الإعلامي، الذي يحاصر أفراد المجتمع الكويتي عبر وسائل الإعلام الجديد المختلفة. ويمكن القول إن الاستخدام المفرط من قبل النخب السياسية الكويتية للمنجزات والفرص التي قدمها الإعلام الجديد، ساهم على نحو كبير في تحويل مشروعها الاجتماعي الإصلاحي لتطوير المجتمع بفئاته وشرائحه وبناه الاجتماعية كافة، إلى وسيلة لضمان فرض سيطرتها ومكتسباتها السياسية. وتدق حالة التأزم الحاد التي سيطرت على المشهد السياسي في الكويت خلال السنوات الماضية، جرس الإنذار للجميع مستقبلين أو صانعين للإعلام التفاعلي الجديد الذي طرحته شبكات التواصل الاجتماعي، حتى لا تنجرف الكويت إلى ما لا يحمد عقباه، فبالتأكيد تشير التجارب التاريخية إلى أن استخدام أدوات الإعلام لا تفضي بالضرورة إلى نتيجة واحدة في مجتمعات مختلفة، فما يؤدي في مجتمع ما إلى تغيير حميد، ربما قد يؤدي في مجتمع آخر إلى ضرر على المدى القصير أو البعيد، خصوصاً في ظل انتفاء القدرة على التحكم في الجماهير إذا انفلت عقالها.